الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٩٣
الشمعة بين يديّ، فدخلت إلى الكسائي و هو في فراشه، فأقرأته الرّقعة فقال لي: خذ الدّواة و اكتب: أمّا من أنشد البيت بالرفع فقال: عزيمة ثلاث فإنّما طلّقها بواحدة، و أنبأها أنّ الطّلاق لا يكون إلّا بثلاثة و لا شيء عليه، و أمّا من أنشد: عزيمة ثلاثا فقد طلّقها و أبانها لأنّه كأنه قال: أنت طالق ثلاثا، و أنفذت الجواب، فحملت إليّ آخر اللّيل جوائز و صلات، فوجهت بالجميع إلى الكسائي.
مجلس الرشيد مع المفضّل الضبّي
قال الزجاجي في (أماليه) [١]: أخبرنا أحمد بن سعيد الدمشقي، حدثنا الزبير ابن بكار، حدثني عمّي مصعب بن عبد اللّه عن أبيه عبد اللّه بن مصعب قال: قال المفضّل الضّبّي: وجّه إليّ الرشيد فما علمت إلّا و قد جاءني الرسول ليلا فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت حتى صرت إليه و هو متّكئ، و محمد بن زبيدة عن يساره، و المأمون عن يمينه، فسلّمت فأومى إليّ بالجلوس فجلست، فقال لي: يا مفضّل، قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: كم في فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧] من اسم؟ فقلت: ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين، قال: و ما هي؟ قلت: الياء للّه عز و جل، و الكاف الثانية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و الهاء و الميم و الواو في الكفار، قال: صدقت، كذا أفادنا هذا الشيخ يعني الكسائي، و هو إذ جالس، ثم قال: فهمت يا محمد؟ قال:
نعم، قال: أعد المسألة، فأعادها كما قال المفضل، ثم التفت فقال: يا مفضل عندك مسألة تسأل عنها؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قول الفرزدق: [الطويل]
[٤٠٤]- أخذنا بآفاق السّماء عليكم
لنا قمراها و النّجوم الطّوالع
قال: هيهات، قد أفادنا هذا متقدّما قبلك هذا الشيخ، لنا قمراها يعني الشمس و القمر، كما قالوا: سنّة العمرين، يريدون أبا بكر و عمر، قلت: زيادة يا أمير المؤمنين في السؤال، قال: زد، قلت: فلم استجيز هذا؟ قال لأنه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد و كان أحدهما أخفّ على أفواه القائلين غلّبوه فسمّوا الآخر باسمه، فلمّا كانت أيام عمر أكثر من أيام أبي بكر و فتوحه أكثر غلّبوه و سمّوا أبا بكر باسمه، و قال تعالى:
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ [الزخرف: ٣٨]، و هو المشرق و المغرب، قلت: قد بقيت مسألة أخرى، فالتفت إليّ الكسائي و قال: أفي هذا غير ما قلت؟ قلت: بقيت الغاية التي
[١] انظر المزهر للسيوطي (٢/ ١٨٩)، و المسألة ليست في الأمالي.
[٤٠٤] - الشاهد للفرزدق في ديوانه (ص ٤١٩)، و خزانة الأدب (٤/ ٣٩١)، و شرح شواهد المغني (١/ ١٣)، و مغني اللبيب (٢/ ٦٨٧)، و لسان العرب (عوي)، و بلا نسبة في لسان العرب (شرق) و (قبل)، و المقتضب (٤/ ٣٢٦).