الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٥٦
معنى، نحو: قام، يفهم منه اقتران القيام بالزمن الماضي، و ليس الحرف كذلك لأنّك إذا ذكرت حرفا لا يفهم منه معنى إلّا إذا اقترن بضميمة من أحد قسيميه، فإن قيل: لا يجوز أن يكون الحرف بلا معنى عند ذكره وحده لأنّه يبقى من قبيل المهملات و إنّما الحرف موضوع لا مهمل، قلنا: لا نسلم أنّه يلزم من قولنا: إنّ الحرف لا يفهم منه معنى في حال الإفراد أن يكون من قبيل المهملات لأنّ الحرف وضع لأن يفهم منه معنى عند التركيب، و ليس المهمل كذلك، فإنّ المهمل ليس له معنى لا في حال الإفراد و لا في حال التركيب، و الحق أنّ الحرف له معنى في نفسه، لأنّا نقول لا يخلو المخاطب بالحرف من أن يفهم موضوعة لغة أوّلا، فإن لم يفهم موضوعه لغة فلا دليل في عدم فهمه المعنى على أنّه لا معنى له، لأنّه لو خوطب بالاسم و الفعل و هو لا يفهم موضوعهما لغة كان كذلك، و إن خوطب به من يفهم موضوعه لغة فإنّه يفهم منه معنى، عملا بفهمه موضوعه لغة، كما إذا خاطبنا إنسانا ب (هل) و هو يفهم أنّها موضوعة للاستفهام، و كذا باقي الحروف، فإذا عرفنا أنّ له معنى في نفسه.
و لنا طريق آخر، و هو أن نقول: و إن خوطب به من يفهم موضوعه لغة فلا نسلم أنّه لا يفهم منه معنى، و اللغويّون كلّهم قالوا مثلا: إنّ (هل) للاستفهام و لم يقيّدوا بحال التركيب دون حال الإفراد، فإن قيل: أيّ فرق بين معنى الاسم و الفعل و بين معنى الحرف على ما ذكرت؟ قلنا: الفرق بينهما أنّ كل واحد من الاسم و الفعل يفهم منه في حال الإفراد عين ما يفهم منه عند التركيب بخلاف الحرف لأنّ المعنى المفهوم من الحرف في حال التركيب أتمّ ممّا يفهم منه عند الإفراد». هذا كلام ابن النحاس بحروفه، و قد ذكر الشيخ جمال الدين بن هشام في (شرح اللمحة) أنّ أبا حيان تابعه على ذلك في (شرح التسهيل)، و لم أره فيه، فلعله سقط من النسخة التي وقفت عليها، و قد وقع ما هو أغرب من ذلك، و هو أنّي لمّا كنت بمكة المشرّفة سنة تسع و ستين و ثمانمائة ذكرت هذا البحث في حاشية المطاف بحضرة جماعة، و فيهم فاضل من العجم، و هو مظفّر الدين محمد بن عبد اللّه الشيرازي، فقال لي:
هذا البحث و بحث الشريف الجرجاني طرفا نقيض، فإنّ الشريف ذهب إلى أنّ الحرف لا معنى له أصلا لا في نفسه و لا في غيره، و خالف النحاة كلهم في قولهم: إنّ له معنى في غيره، و ألف في ذلك رسالة، ثم أحضر لي مظفر الدين الذكور تأليفا لنفسه اختصر فيه (شرح الكافية) للرّضي سمّاه «مرضي الرضي»، فرأيته نقل فيه عن الشريف هذا البحث فتطلّبت الرسالة التي ألفها الشريف في ذلك حتى حصلتها.