الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٥٤
نحر عنها، ثم حشي جلده تبنا أو حشيشا و جعل بين يديها حتى تشمّه و تدرّ عليه، فهي تسكن إليه مرّة ثم تنفر عنه ثانية، تشمّه بأنفها ثم تأباه بقلبها، فيقول: فما ينفع من هذا البوّ إذا تشمّمته ثم منعت درّتها؟.
و حدّث المرزبانيّ عن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب قال: سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الرشيد فقال: انظر، في هذا الشعر عيب و أنشده: [مجزوء الرمل]
[٥٦٨]- ما رأينا خربا نق
قر عنه البيض صقر
لا يكون العير مهرا
لا يكون المهر مهر
فقال الكسائي: قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي: انظر فيه، فقال: أقوى، لا بدّ أن ينصب المهر الثاني على أنّه خبر (كان)، فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض و قال: أنا أبو محمد، الشعر صواب، إنّما ابتدأ فقال: المهر مهر، فقال له يحيى بن خالد: أتتكنّى بحضرة أمير المؤمنين و تكشف رأسك؟ و اللّه لخطأ الكسائي مع أدبه أحبّ إلينا من صوابك مع سوء فعلك، فقال: لذّة الغلبة أنستني من هذا ما أحسن.
انتهى.
و في (طبقات الكمال) لابن الأنباري [١]: قال الدّوريّ: كان أبو يوسف يقع في الكسائي و يقول: أيّ شيء يحسن؟ إنما يحسن شيئا من كلام العرب، فبلغ ذلك الكسائي، فالتقيا عند الرشيد، و كان الرشيد يعظّم الكسائي لتأديبه إيّاه، فقال لأبي يوسف: أيش تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق؟ قال: واحدة، قال:
فإن قال لها: «أنت طالق أو طالق أو طالق»، قال: واحدة، قال فإن قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق؟ قال: واحدة، قال فإن قال لها: أنت طالق و طالق و طالق؟ قال واحدة، قال الكسائي: يا أمير المؤمنين أخطأ يعقوب في اثنتين و أصاب في اثنتين، أمّا قوله: أنت طالق طالق طالق فواحدة، لأنّ الثّنتين الباقيتين تأكيد، كما تقول: أنت قائم قائم قائم، و أنت كريم كريم كريم، و أمّا قوله: أنت طالق أو طالق أو طالق فهذا شك، وقعت الأولى التي تتيقّنّ، و أما قوله: أنت طالق ثم طالق ثم طالق فثلاث لأنه نسق، و كذلك قوله: أنت طالق و طالق و طالق.
و قال ياقوت [٢]: قرأت بخط أبي سعيد عبد الرحمن بن علي اليزدادي اللغويّ
[٥٦٨] - انظر مجالس العلماء (ص ٢٥٥)، و الغيث المسجم (٢/ ١٤٣)، معجم الأدباء (٤/ ٩٢).
[١] انظر نزهة الألباء (ص ٧٣).
[٢] انظر معجم الأدباء (١٣/ ١٩٤).