الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٤٣
رواية أنّه صلّى خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: فلم أسمعه يقرأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم [١]، فأجاب الشيخ كمال الدين بما نصّه:
أمّا قوله: «إنّ المنفي إذا كان ممّا يعرف بدليله يقدّم على الإثبات «فغير صحيح، بل الثابت عندهم أنه يعارضه حتى إن لم يوجد مرجّح من خارج تساقطا، و أمّا قوله في تفسير هذا المنفي: إنه الذي يكون صريحا في ردّ دعوى المثبت تمييزا له عن قسيمه من النفي الآخر» فمخالف لتفسيرهم له، و كلمتهم في تفسيره إنما هي دائرة على أنّ المراد به كون النفي ممّا يصح بناؤه على استصحاب عدم متقرّر الثبوت معلوم، بل أن يكون ثابتا البتّة بدليل دلّ على طروئه و أفادوا أن ليس المراد بالنافي ما فيه صورة النفي بل ما كان مبقيا للأصل يعنون الحالة المقررة المعلوم ثبوتها و أنّ المثبت هو الذي يثبت الأمر العارض على تلك الحالة و إن لم يكن في أحد الدليلين صورة نفي أصلا، و على هذا حكموا بأنّ رواية إعتاق بريرة و زوجها عبد نافية لأنّها مبقية للحالة المعلوم ثبوتها، و رواية عتقها و هو حرّ مثبتة لإفادتها وقوع العارض على ذلك الأصل، فقدّموا هذه تقديما للإثبات، و إنما حكموا بأنّ رواية تزوّجه عليه السّلام ميمونة و هو حلال مثبتة، و رواية تزوجه و هو محرم نافية، للاتفاق على أن ليس المراد بالحلّ الذي تزوجها فيه على تلك الرواية الحل الأصلي، بل الحل الطارئ على الإحرام، بمعنى أنّه تزوّجها بعد ما حلّ من إحرامه، فكان إحرامه عليه الصلاة و السّلام أصلا بالنسبة إليه للعلم بوقوعه و تقرّره، فكان المفيد له مفيدا للأصل فهو ناف، و المفيد للحل مفيد للعارض فكان مثبتا، فحكموا بمعارضته للنفي ثم رجحوها بالراوي و هو ابن عباس على يزيد بن الأصمّ، و ما ذكره السائل ليس موافقهم فيما ذكروه، بل لا يبعد أنّه لا معنى في هذا المقام، و أمّا ما ذكره من فرع الشهادة في الطلاق فظاهره أنّهم أوردوه تفريعا على الأصل المذكور، و هو تقديم النفي على ما زعم حيث قدم قول الشهود: «لم يستثن» على قول الزوج: استثنيت، و ليس كذلك، بل إنما أوردوه شاهدا على معارضة هذا النفي للإثبات، و كلام فخر الإسلام البزدوي صريح فيه، و قبول الشهادة و وقوع الحرمة بالشهادة بهذا النفي بناء على أنّه ممّا يعارض الإثبات لأنّه لو لم يكن يعارضه لم تقبل الشهادة به أصلا، كما هو المشهور على الألسنة من أنّ الشهادة على النفي باطلة، فلمّا كان بحيث يعارضه و يساويه تفرع قبول الشهادة عليه إذ لا خفاء في أنّ كلّ ما قامت به البيّنة و هو ممّا تصحّ به
[١] انظر صحيح مسلم (١/ ٢٩٩).