الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٣٤
انتهى، و بعد فعندي توقف في كون هذا التركيب عربيا محضا، و الذي رابني منه أمور:
الأول: أنّ إجماع النحويين و اللغويين منعقد على أنّ لهلمّ معنيين:
الأول: تعال، فتكون قاصرة، كقوله تعالى: هَلُمَّ إِلَيْنا [الأحزاب: ١٨]، أي: تعالوا إلينا.
الثاني: أحضر، فتكون متعدية، كقوله تعالى: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ [الأنعام:
١٥٠]، أي: أحضروهم، و لا مساغ لأحد المعنيين هنا.
الثاني: أنّ إجماعهم منعقد على أنّ فيها لغتين: حجازية و هي التزام استتار ضميرها فتكون اسم فعل، و تميمية و هي أن يتصل بها ضمائر الرفع البارزة، فيقال:
هلمّا و هلمّي و هلمّوا، فتكون فعلا، و لا نعرف لها موضعا أجمعوا فيه على التزام كونها اسم فعل، و لم يقل أحد: إنه سمع هلمّا جرّا و لا هلمّي جرّا و لا هلمّوا جرّا.
الثالث: أنّ تخالف الجملتين المتعاطفتين بالطلب و الخبر ممتنع أو ضعيف، و هو لازم هنا إذا قلت: كان ذلك عام كذا و كذا و هلمّ جرّا.
الرابع: أنّ أئمة اللغة المعتمد عليهم لم يتعرضوا لهذا التركيب حتى صاحب المحكم مع كثرة استيعابه و تتبّعه، و إنما ذكره صاحب الصحاح، و قد قال أبو عمرو ابن الصلاح في شرح مشكلات الوسيط: إنه لا يقبل ما تفرّد به، و كان علة ذلك ما ذكره في أوّل كتابه من أنّه ينقل عن العرب الذين سمع منهم، فإنّ زمانه كان اللغة فيه قد فسدت، و أمّا صاحب العباب فإنّه قلّد صاحب الصحاح فنسخ كلامه، و أمّا ابن الأنباري فليس كتابه موضوعا لتفسير الألفاظ المسموعة من العرب، بل وضعه أن يتكلّم على ما يجري في محاورات الناس، و قد يكون تفسيره له على تقدير أن يكون عربيا، فإنّه لم يصرّح بأنّه عربي، و كذلك لا أعلم أحدا من النحاة تكلم عليها غيره.
و لخّص أبو حيان في (الارتشاف) أشياء من كلامه، و وهم فيه، فإنّه ذكر أن الكوفيين قالوا: إن (جرّا) مصدر، و البصريين قالوا: إنه حال، و هذا يقتضي أنّ الفريقين تكلّموا في إعراب ذلك، و ليس كذلك، و إنما قال أبو بكر: إنّ قياس إعرابه على قواعد البصريين أن يقال: إنه حال، و على قواعد الكوفيين أن يقال: إنه مصدر، هذا معنى كلامه، و هذا هو الذي فهمه عنه أبو القاسم الزجاجي، و ردّ عليه فقال:
البصريّون لا يوجبون في نحو «ركضا» أن يكون مفعولا مطلقا، بل يجيزون أن يكون التقدير: جاء زيد يركض ركضا، فلذلك يجوز على قياس قولهم أن يكون التقدير: