الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢١٦
الكلام و حصول الفائدة مسدّ الخبر، و لا خبر في اللفظ، كما قالوا: أقائم أخواك، و المعنى: أيقوم أخواك، فقائم مبتدأ، و سدّ تمام الكلام مسدّ الخبر و لا خبر في اللفظ.
فقيل له: عجبنا أن أخطأت مرة بالصواب، و جريت في توجيه هذه المسألة على سنن الإعراب.
المسألة العاشرة: قال أبو نزار: تقول العرب: جئت من عنده، لأنّ من قضى وطرا من شخص فقد صار المعنى عنده غير مهمّ في نظره، لأنّ الذي انقضى قد خرج عن حدّ الاهتمام به، و بقي اختصاص الشخص بالموضع المختص بمن كان الغرض متعلقا به، فأردت أن تذكر انفصالك عن مكان يخصه، فقلت: من عنده، فأمّا إذا كان الإنسان قد اعتزم أمرا يريده من شخص فإن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمّه، و إنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده، فالحكمة تقتضي أن تقول:
إليه و لم يجز إلى عنده، هذه حكمة العرب، فأمّا سيبويه فقال: استغنوا بإليه عن «عنده» كما استغنوا بمثل و شبه عن ك.
فقال الرادّ عليه: يا هذا كانت إصابتك في مسألتك آنفا فلتة اغتفلتها، و جميع ما وجّهت به في مسألتك هذه خارج عن الأصل المنقول، و لم يذهب إليه أحد من ذوي العقول، و ذلك أنّ الذي ذهب إليه المحصّلون من أهل هذه الصناعة هو أنّ الظروف التي ليست بمتمكنة مثل: عند و لدن و مع و قبل و بعد حكمها أن لا يدخل عليها شيء من حروف الجر لعدم تمكنها و قلة استعمالها استعمال الأسماء، و إنّما أجازوا دخول من عليها توكيدا لمعناها و تقوية له، و لمّا لم يجز في شيء منها أن يكون انتهاء إلّا بذكر إلى لم يجز دخولها عليه تأكيدا لمعناه، كما كان ذلك في من، و قد قدمت أنّ حكم هذه الظروف أن لا يدخل عليها شيء البتّة من حروف الجر للزومها الظرفية و قلّة تصرّفها، و لو لا قوة الدلالة فيها على الابتداء و قوة من على سائر حروف الجر بكونها ابتداء لكل غاية لما جاز دخول من عليها، ألا ترى أنّه قد جاء في كلامهم كون «من» يراد بها الابتداء و الانتهاء في مثل: رأيت الهلال من خلل السّحاب، فخلل السّحاب هو ابتداء الرؤية و منتهاها، فهذا مما يدلّ على قوة من وضعت إلى، فلذلك أجازوا: من عنده و من معه و من لانه و من قبله و من بعده و لم يجيزوا إلى عنده و إلى قبله و إلى بعده، فهذه خمسة الظروف لا يدخل عليها شيء من الحروف الجارة سوى من، و سبب ذلك ما تقدم ذكره.
و أما قولك: إنّ سبب ذلك هو أنّ من قضى وطرا إلى آخره فهذيان المبرسمين