الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢١٢
يُحْيِي وَ يُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، أي: يحيي الموتى و يميت الأحياء، فيصير المعنى في قوله تعالى: أَحْسَنَ بِي أي: أوقع جميل صنعه بي، و إذا عدّيته بإلى يصير المعنى فيه الإيصال، كأنه قال: أوصل إحسانه إليّ، و المعنى متقارب، و إن كان تقدير كل واحد منهما غير تقدير الآخر، فليس ينبغي أن يحمل فعل على معنى فعل آخر إلّا عند انقطاع الأسباب الموجبة لبقاء الشيء على أصله، كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور: ٦٣]، و الشائع في الكلام: يخالفوه أمره، فحمل على معنى: يخرجون عن أمره، لأنّ المخالفة خروج عن الطاعة، و كذا قوله تعالى:
وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراب: ٢٠٤]، و الشائع في الكلام فاستمعوه، و إنما حمل على معنى أنصتوا.
قال: و أما قولك في بيت أبي الطيب: «إنّه على معنى «جعلت» فيصير «ركبت» قد تعدّى في هذا الموضع إلى مفعولين»، فهو غلط منك، و إنما غلّطك في ذلك أنّك رأيت بعرانا اسما جامدا لا يصح نصبه على الحال، و إنما ينصب على الحال عندك ما كان مشتقا من فعل كضاحك و مسرع، و هذا و هم منك، و هب أنّا سلّمنا لك هذا التوجيه الذي وجهت به بيته هذا، فكيف تصنع في بيته الآخر: [الوافر]
[٥٢٨]- بدت قمرا و مالت خوط بان
و فاحت عنبرا ورنت غزالا
أتراك تجعل هذه المنصوبات كلّها مفعولات، و تتصيد في كل فعل من هذه الأفعال معنى يصير به متعديا إلى مفعول به؟ و كيف تصنع في قولهم: بعت الشاء شاة بدرهم، و بيّنت له حسابه بابا بابا، و كلّمته فاه إلى فيّ؟ فهذه الأسماء الجامدة كلّها عند النحويين أحوال، و يكون تقديره قوله: بدت قمرا: مضيئة كالقمر، و مالت خوط بان: متثنّية، و فاحت عنبرا أي: طيّبة النّشر كالعنبر، ورنت غزالا أي: مليحة النظر كالغزال، و ممّا يدلّك على أنّها أحوال دخول واو الحال عليها إذا صارت جملة، كقولك: بدت و هي قمر، و مالت و هي خوط بان، و كذلك بيّنت له حسابه بابا بابا، المعنى: مبوّبا مفصّلا، و بعت الشاء شاة بدرهم، أي: مسعّرا، و يكون قول أبي الطيب على ذلك: ركبت الناس بعرانا بمعنى مركوبين لي و حاملين، و ممّا يدلّ على أنّ بعرانا في بيت أبي الطيب حال لا مفعول ثان للجعل كونه يجوز إسقاطه، و لو كان مفعولا ثانيا لم يجز إسقاطه، ألا ترى أنّه لو قال: ركبت الناس كلّهم إلى سعيد لم يحتج إلى زيادة، و لو قال: جعلت الناس كلّهم إلى سعيد و سكت لم يتمّ الكلام،
[٥٢٨] - الشاهد للمتنبي في ديوانه (ص ١٢٥)، و أمالي المرتضى (٢/ ١٢٩)، و الخزانة (١/ ٥٣٧).