الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٩٩
و أمّا قولك بعد السؤال الأول: و كذلك يسأل عن العامل في «إذا» ثم بيّنت في جوابك أنّه محذوف، فقولك هذا مبنيّ على ما قام في نفسك من كون خبر أنّ محذوفا، و قد بيّنّا أنه غير محذوف، إلّا على أحد الوجهين الموجّه بهما قول سيبويه، و إلّا فهو موجود غير محذوف على المذاهب المتقدمة، أمّا على مذهب المبرد فالعامل عنده في «إذا» الاستقرار لأنّها في موضع خبر المبتدأ، و كذلك مذهب الأخفش هي عنده معمولة الاستقرار المقدر في كل ظرف رفع فاعلا، و أمّا على مذهب الجرمي فإنّ العامل عنده فيها مخرجون التي هي خبر أنّ، على ما تقدم ذكره.
و أما قولك بعد السؤال الثاني: إن «إذا» بمعنى الوقت، و هو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر، و ما ذكرت من أنّ المعنى يستحيل إذا جعلت العامل في «إذا» مخرجون، لأنّه يصير التقدير: أنّكم مخرجون وقت موتكم، و الإخراج وقت الموت لا يتصوّر، و إجابتك عن ذلك بتقديرك حذف مضاف قبل «إذا» و هو «بعد»، فإنك أتيت في هذا المكان بضرب من الهذيان.
أما قولك: إن «إذا» بمعنى الوقت و هو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر» فليس تقدير الجملة بعدها على تأويل المصدر بصحيح، و ذلك ممتنع فيها و في إذ و في لمّا خاصة، ألا ترى أنّه يحسن أن تقول في نحو: «آتيك يوم يقدم زيد»: آتيك يوم قدوم زيد فتقدّر ما بعد يوم بتقدير المصدر؟ و لو قلت: «آتيك إذا يقوم زيد» لم يحسن أن تقول: أتيتك إذا قيام زيد، و كذلك إذ تقول: أتيته إذ قام و لا تقول: أتيته إذ قيامه، و كذلك لمّا، تقول: أكرمته لمّا قام، و لا تقول: أكرمته لمّا قيامه، لأنّ هذه الظروف لا تضاف إلى مفرد و لا تستعمل إلّا مضافة إلى الجمل، و أمّا قولك: «لأنّه لا بدّ من تقدير حذف مضاف قبل إذا و هو بعد ليصحّ المعنى و يسلم من الإحالة» فهو قول بيّن الفساد لا محالة، و ذلك أنّ المتقرر عند جميع النحويين أنّه لا يصح أن يضاف إلى إذا و لا إلى لمّا، و ذلك لتوغلهما في البناء و قلة تمكنهما، و لا يجوز على هذا أن تقول: أكرمتك بعد إذا أكرمتني، و لا قبل إذا أكرمتني و لا بعد لمّا أكرمتني، و لا يجوز ذلك في ظروف الزمان و لا غيرها، و لم يسمع من ذلك شيء إلّا في (إذ)، و المعنى في الآية يصح على غير هذا التقدير، إذ في مفهوم الخطاب من قوله عزّ و جلّ: وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أنّ الإخراج ليس هو وقت الموت، و إنما هو بعد زمان متراخ يقتضي الاستحالة من اللّحميّة و الدّمويّة إلى الترابيّة ثم الإخراج بعد ذلك، و إذا و إن كانت بمعنى الوقت فليس يلزم أن يكون وقوع الفعل في أوّل ذلك الوقت دون آخره، مثال ذلك قولهم: إذا جاء زيد أحسنت إليه، و معلوم من جهة المعنى أنّ الإحسان لم يكن في أوّل المجيء، إنّما كان بعده، و تقدير الإعراب يوجب أنّ وقت