الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٩٨
الثالث: قول أبي الحسن الأخفش، أو تجعل «أنكم» في موضع رفع بإذا على أن يكون فاعلا به، على حدّ قياس مذهبه في الرفع بالظرف في نحو قولك: يوم الجمعة الخروج، فالخروج عنده مرتفع بالظرف، كأنه قال: يستقرّ الخروج يوم الجمعة، و مذهب سيبويه و أصحابه أنّ الخروج مرفوع بالابتداء لا غير.
الرابع: قول سيبويه [١] و هو أن تجعل: أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [المؤمنون: ٣٥] بدلا من (أنّ) الأولى على حدّ قوله تعالى: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [الجاثية: ٢٧]، فقوله: يومئذ بدل من قوله: يوم تقوم الساعة، و يحتاج في هذا القول إلى حذف شيء يتمّ به الكلام، لأنّه لا يصحّ أن يبدل من أنّ إلا بعد تمامها و تكملتها من اسمها و خبرها، و قد وجّه أبو علي قول سيبويه في هذه الآية على وجهين:
أحدهما: أن يكون قد حذف مضافا من أنّ الأولى، تقديره: أيعدكم أنّ إخراجكم إذا متم، فيصحّ حينئذ أن يبدل «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» من (أنّ) الأولى لأنّها قد تمّت، و إنّما يحتاج إلى حذف هذا المضاف من جهة أنّ «إذا» ظرف زمان، و ظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث، فإذا حملت قوله: «أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ» على تأويل: أنّ إخراجكم إذا متم، تمّ الكلام، و صارت «إذا» خبرا لأنّ على حدّ قولهم: «الليلة الهلال» يريدون: الليلة حدوث الهلال، أو ظهوره، و لو لا ذلك لم يجز، لأنّ الهلال جثّة، و الليلة ظرف زمان، و مثل الآية في حذف المضاف قوله عزّ و جلّ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [الشعراء: ٧٢]، لأنّه لا بد من تقدير مضاف محذوف تقديره: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون، فحذف الدعاء و هو يريده.
و الثاني: من توجيه أبي علي لقول سيبويه: أن يكون خبر أنّ محذوفا، تقديره:
أيعدكم أنّكم إذا متم مخرجون، ثم حذف خبر أنّ لدلالة أنّ الثانية عليه، على حدّ قوله تعالى: وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] فحذف خبر المبتدأ الأول استغناء عنه بخبر الثاني، و على ذلك قول الشاعر [٢]: [المنسرح]
نحن بما عندنا و أنت بما
عندك راض و الرّأي مختلف
تقديره: نحن بما عندنا راضون و أنت بما عندك راض، إلّا أنّ حذف استغناء عنه بالخبر الآخر، و هذا الوجه وحده هو الذي لم يفتح عليك أيّها المتقمص بقميص الزّهو التائه في غيابة السّهو الملقب بملك النحو إلّا به.
[١] انظر الكتاب (٣/ ١٥٣).
[٢] مرّ الشاهد رقم (٣٠) .