الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٩٠
التي هي موضوعة غير مشتقة، و كذلك قتال و أكال و ضروب لا أفعال لها، و هكذا سلهب و جعشم و عكروت و ما أشبهه، و هو كثير، فهذا حقيقة ما ذهب إليه خصمك، و لا حجة لك فيما حكيته عن ثعلب لأنّا لا نخالفك فيه، و حكايتك عن النحويين أنّه لا يمتنع شيء من الأسماء من أن نقيسه على ردّ يردّ كذب عليهم، و قولك: «لو كنا لا ننطق إلّا بما نطقت به العرب و لا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام» يدل على جهل باللغة لأن من الكلام ما لا يقاس و منه ما يقاس، و لو قيل: كيف يؤمر بإدّ أو بكر أو صارورة أو قتال أو ما أشبه ذلك مما ليس بجار على فعل لقلنا: العرب لا تأمر من هذه الأوصاف بلفظ الصفة إلّا أن يكون له فعل منطوق به، نحو: طل و اقصر و اسهل و اكرم، لأنهم يقولون: طال و قصر و سهل و كرم، و لا يأمرون من بكر و لا خود و لا لص و لا إدّ و ما أشبهه، لأنّها لا فعل لها، فإن آثرنا أن نأمر بشيء منها ألزمناه كان و جعلناه خبرا لها، فتقول: كن إدّا أو كوني خودا، و ذلك أنّ معنى اضرب كن ضاربا، فهكذا ينبغي إذا أمرت بهذه الأوصاف، و كذلك الأسماء يؤمر بها على هذا، فيقال: كن عليه سيفا و كن له حجرا و كن فيها أسدا، قال اللّه تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً [الإسراء: ٥٠] في الأسماء، و قال عزّ و جلّ: وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١٣٥] و قال عزّ و جلّ: وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران: ٧٩] في الأوصاف، و قال الشاعر: [الطويل]
[٥١٨]- أحار بن بدر قد وليت ولاية
فكن جرذا فيها تخون و تسرق
فإن قال: فكيف يؤمر من طريق ما يتكلم عليه أهل اللغة من التصريف من الأبنية قياسا لم يتكلّم به؟ قيل له: إذا تكلّفنا ذلك فإنّ إدّا ليس بعمل و لا داء و لا علة و لا لون و لا خلقة، و إنما هو خصلة، و أفعال الخصال لا تكون إلّا على فعل يفعل، فيكون الفعل من إدّ كالفعل من حلّ فيكون إدّ بكسر الهمزة كقولك: حلّ، فإن شئت قلت: إدّ بكسر الهمزة و الدال، كقولك حلّ، و إن شئت قلت: إيدد كما تقول: إحلل و قولك: إدّ كقولك: حلّ، هذا هو القياس الذي يعمل عليه، و باللّه الثقة.
المسألة الرابعة: سأل أبو العباس فقال: كيف تقول: مررت برجل أسهل خدّ غلام أشدّ سواد طرّة؟ فقال أبو جعفر: في هذه المسألة وجوه أجودها أن تزيد فيها
[٥١٨] - الشاهد لأنس بن زنيم في ديوانه (ص ١١٤)، و لسان العرب (سرق)، و المقاصد النحوية (٤/ ٢٩٦)، و له أو لأنس بن أبي أنيس في الدرر (٣/ ٥٤)، و لأبي أنيس أو لابن أبي إياس الديلي أو لأبي الأسود الدؤلي في أمالي المرتضى (١/ ٣٨٤)، و بلا نسبة في شرح الأشموني (٢/ ٤٦٩)، و همع الهوامع (١/ ١٨٣).