الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٨
حسن الحال في نفسه و أهله و ماله، و فرس سارّ، أي: حسن الحال في جسمه و لحمه، و ضيعة سارّة بمعنى آهلة عامرة، فيكون سارّ بمعنى قولك: ذو سرور، ثم يتعجب منه على هذا، كما قالوا: عيشه راضية أي: ذات رضى، و رجل طاعم كاس أي: ذو طعام و كسوة، فيكون «ما أسرني» جاريا على ما قدّمنا غير خارج عمّا رتبنا.
المسألة الثالثة: قال أبو جعفر: كيف تأمر من قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا [مريم: ٧٩] و من قوله تعالى: وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما [البقرة: ٢٥٥]؟ فقال أبو العباس: هاتان مسألتان، أمّا «إدّا» فلا يؤمر منه، لأنّه اسم موضوع للدّاهية و الأمر العظيم، قال أبو جعفر: فقد قالت العرب: أدّ يؤدّ فنطقت بالفعل، ثم صرّفه النحويون فقالوا في الأمر منه: أدّ يا هذا، بالإدغام و الضم و الكسر و بالإظهار، نحو: اودد مثل:
اردد، قال أبو العباس: التصريف فيها دعوى تحتاج إلى برهان، قال أبو جعفر: لا يحتاج إلى ذلك و قد حكوا لها نظائر من المضاعف، منها قول أحمد بن يحيى:
«تقول: ازرر عليك قميصك وزرّه وزرّه وزرّه، مثل مدّه و مدّه و مدّه»، قال أبو العباس: هذه الأشياء لا تصرّف قياسا، و لا يشبّه بعضها ببعض إلّا بسماع من العرب، إذ كان هذا لجاز أن نقول: و ذر يذر و ودع يدع قياسا على قام يقوم و ضرب يضرب، و إنما نصرّف منه ما صرّفت العرب، و نترك منه ما لم تصرفه العرب اقتداء بها، قال أبو جعفر: ليس هذا قول أحد من النحويين علمناه، و ذلك أنّه لا يمتنع القياس في شيء من المضاعف على ردّ يردّ، فنقلو: سنّ يسنّ و أدّ يؤدّ، كما قلنا ردّ يردّ، و لو كنا لا ننطق إلا بما نطقت به العرب و لا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام، و لا يجوز قياس و ذر يذر و ودع يدع على المضاعف لأنّه معتل قلّ استعمالهم الماضي فيه لاستثقالهم الواو حتى تبدل، فيقولون في وحد: احد، فلمّا استثقلوا الواو و كان «ترك» في معنى ودع و وذر استغنوا عنه بترك و إن كان بعض العرب قد قال: ودع و وذر على القياس فلا معنى لقوله: لجاز أن تقول و ذر و ودع لأنه قد قيل، قال أبو العباس:
إنّا لم نشبه مضاعفا بمضاعف، و إنّما أردنا أن نريك أنّ العرب قد تصرّف شيئا و تمنعه في نظيره، و أمّا قولك: «إن هذا معتل» فليس بالاعتلال منع من أن يبنى له ماض، مثل وزن يزن، قال أبو جعفر: هذا الذي ألزمتنيه من أنّي قلت: إنّه لم يبن منه ماض لأنّه معتل غير لازم، و كلامي يبين خلاف هذا لأني قلت: لم يبن منه ماض لعلة، فكيف ألزم أنّي اعتللت بأنه لم يقع منه ماض لأنه معتل؟ قال أبو جعفر: و لم يجب عن المسألة الأخرى و هي: «و لا يؤده»، و الجواب أن يقول: أد يا هذا نظير قلّ لأنّ آد يؤد مثل قال يقول.
قال محمد بن بدر: قول أبي العباس: «لا يجوز أن يؤمر من قوله تعالى: