الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٧
مجنون» داخل في حيّز الأوصاف التي لا تكون أعمالا و إنما تكون خصالا في الموصوفين بغير اختيارهم؟ مثل كرم فهو كريم و لؤم فهو لئيم، خصال لا يفعلها الموصوف، فهكذا جنّ زيد فهو مجنون، إنّما هي خصلة في الموصوف لا اختيار له فيها، فأجرى مجرى رقع فهو رقيع و بلد فهو بليد إذ كان داخلا في معناه، و الدليل على صحة هذا أنّ العرب لا تتعجب من افعلّ، و لا يقولون: ما أحمره و لا ما أسوده و لا أفطسه، و يتعجبون من أحمق و أرعن و ألدّ و أنوك، فيقولون: ما أحمقه و ما أرعنه و ما ألدّه و ما أنوكه، لأنّ أحمق بمنزلة بليد، و ألدّ بمنزلة مرس و أنوك بمنزلة جاهل، فحملوه على المعنى، فهكذا جنّ زيد حمل على المعنى، لأن العرب تشبه الشيء بالشيء، و تحمل على المعنى إذا وافقه و اقترب منه، فمن ذلك قولهم: حاكم زيد عمر برفع الاثنين جميعا لأنّ كل واحد منهما فاعل، قال أوس: [الطويل]
[٥١٥]- تواهق رجلاها يداه و رأسه
لها قتب خلف الحقيبة رادف
و قال القطاميّ: [الوافر]
[٥١٦]- فكرّت تبتغيه فوافقته
على دمه و مصرعه السّباعا
لأنّ السّباع قد دخلت في المصادفة، و قال: [الخفيف]
[٥١٧]- لن تراها و لو تأمّلت إلّا
و لها في مفارق الرّأس طيبا
لأنّ الطّيب قد دخل في الرؤية.
قال السخاوي: إنما قالوا: ما أجنّه لأن جنّ لا فاعل له، فهو في المعنى تعجّب من الفاعل، لأنّه لا يقال: جنّه إنما يقال: أجنّه.
قال محمد بن بدر: فإن قال: فقد قالوا: ما أسرّني بكذا و كذا، و هذا دليل على أنّه يجوز أن يتعجّب من «ضرب زيد»، قيل له: ليس في هذا دليل يدل على جواز التعجب من ضرب زيد، لأنه يجوز أن يكون «ما أسرّني» تعجبا من سررت، و يكون محمولا على ما قدّمنا ذكره في «جنّ زيد»، فيكون بمنزلة «برّ حجّك فهو مبرور»، قال: و يجوز أن يكون «ما أسرّني بكذا» تعجبا من سارّ كما يقال: زيد سارّ أي:
[٥١٥] - الشاهد لأوس بن حجر في ديوانه (ص ٧٣)، و الكتاب (٣٤٥١) ، و سرّ صناعة الإعراب (٢/ ٤٨٣)، و سمط اللآلي (ص ٧٠٠)، و شرح أبيات سيبويه (١/ ٢٧٣)، و لسان العرب (وهق)، و بلا نسبة في الخصائص (٢/ ٤٢٥)، و المقتضب (٣/ ٢٨٥).
[٥١٦] - الشاهد للقطامي في ديوانه (ص ٤١)، و شرح شواهد الإيضاح (ص ٣٣٠)، و المحتسب (١/ ٢١٠)، و نوادر أبي زيد (ص ٢٠٤)، و بلا نسبة في الخصائص (٢/ ٢٦).
[٥١٧] - الشاهد لعبيد اللّه بن قيس الرقيات في ملحق ديوانه (ص ١٧٦)، و بلا نسبة في الخصائص (٢/ ٤٢٩)، و شرح المفصّل (١/ ١٢٥)، و المقتضب (٣/ ٢٨٤).