الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٢
من الثلاثي أو ممّا يكون أصله الثلاثي و زيد عليه، مثل أعطى و شبهه و أيضا فإنّه لا يعرف في الألوان فعل ثلاثي، فكيف يستثنى ما لم يعرف في الكلام؟ و أمّا ما كان خلقة و هو ثلاثي فلم يترك التعجب منه عند الأخفش، إلّا أن أصله أكثر من الثلاثي، و ذلك عور و حول، و الأصل عنده: اعورّ و احولّ و اعوارّ و احوالّ، فلما رأيناه ثلاثيا و لم ندر ما أصله استثنيناه من الثلاثي، و لو كان من الثلاثي لما قيل: عور و لا حول، و لكن يقال: عار و حال، فتنقلب الواو ألفا لحركتها و انفتاح ما قبلها، و قولهم: عور و حول يدلّ على أنّ أصله اعوارّ و احوالّ و اعورّ و احولّ، و الذي نقول في هذا: إنه لم يتعجب منه و هو ثلاثي لا يعرف أصله، و هذا القول مشهور من قول الأخفش.
قال: أما قولك: إنه استثنى اللون و الخلقة من الثلاثي إنه من أعجب العجب، فليس ذلك بعجب، لأني إنما استثنيت ذلك من الثلاثي لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا، كقولك: عور الرجل، فاستثنيت ذلك لهذه العلة.
و أما قولك: «انطلق زيد لا يجوز أن يتعجب منه» فهذا نقض لما قدمته، و ذلك أنّك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه، و جعلت ذلك علة التعجب منه، و هو أنه فاعل، و جعلت علة الامتناع من التعجب أن يكون مفعولا، فقد لزمك أن تتعجب من زيد في قولك: انطلق زيد، قلت: قوله: «إنما استثنيت من الثلاثي لأنّه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا كقولك: عور الرجل» يدلّ على أنّه لا يدري ما أصل عور، و قد بيّنا أنّ أصله عند النحويين اعورّ و اعوارّ، و إنكاره منعنا أن نتعجب من «انطلق زيد» فهذا شيء قد أجمع النحويون على منعه إلّا بزيادة، فما معنى إنكاره ما أجمع النحويون عليه؟
و أما قولك: إنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه و جعلت ذلك علة للتعجب منه و هو أنّه فاعل فنحن لم نقل: إنا تعجّبنا منه لأنّه فاعل، و إنما قلنا: إنه لا يتعجب من المفعول و بيّنا لم ذلك، و أمّا الفاعل فإنّه يتعجب منه في أكثر المواضع، و إنما منع الفاعل في قولك: انطلق زيد أن يتعجب منه لأنّ الفعل قد جاوز ثلاثة أحرف، فلا يجوز أن ينقل إلّا بزيادة، نحو قولك: ما أكثر انطلاق زيد و ما أشبهه.
قال محمد بن بدر النحوي: أعطى أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال:
إنما معنى التعجّب أن أجعل الفاعل مفعولا، و نحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا، نحو: أقمته و أجلسته، و نجد معنى التعجب و الفاعل موجود، كقولنا: جلّ اللّه و عزّ اللّه على معنى: ما أجلّ اللّه و ما أعزّه، لا على معنى الخبر بأنه صار جليلا و لا بأنه صار عزيزا، و هكذا عظم شأنك و علت منزلتك إذا لم ترد الخبر، قال اللّه تعالى: