الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٦٨
المبتدأ من غير قرينة تشعر به أتى به ظاهرا مكان المضمر، فصارت العبارة فيه كذلك، و هو وجه حسن و لا بعد في مثل ذلك، فإنّ العرب تجيز: «إن يكرمني زيد إنّي أكرمه» و تقديره: إني أكرم زيدا إن يكرمني، فقد أوقعت زيدا موقع المضمر لما اضطررت إلى إعادة الضمير إليه و أوقعت المظهر لما أخّرته عن الظاهر، فتبين لك اتساعهم في مثل ذلك و عكسه و يحتمل أن يقال: إنهم استعملوا غيرا بمعنى لا كما استعملوا لا بمعنى غير، و ذلك واسع في كلامهم، فكأنه قال: لا تأسف على زمن هذه صفته، و يدلّ على استعمالهم غيرا بمعنى لا قولهم: «زيد عمرا غير ضارب» و لا يقولون: «زيد عمرا مثل ضارب» لأنّ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، و لكنه لمّا كانت غير تحمل على لا جاز فيها ما لا يجوز في مثل، و إن كان بابهما واحدا، و إذا كانوا قد استعملوا «أقلّ رجل يقول ذلك» بمعنى النفي مع بعده عنه بعض البعد فلأن يستعملوا غيرا بمعنى لا مع موافقتها لها في المعنى أجدر، فإن قيل: فإذا قدرتموه بمعنى لا فلا بد له من إعراب من حيث إنه اسم فما إعرابه؟ قلنا:
إعرابه كإعراب «أقلّ رجل يقول ذاك» فهو مبتدأ لا خبر له استغناء عنه، لأنّ المعنى:
ما رجل يقول ذاك، فإذا كان كذلك صحّ المعنى من غير احتياج إلى خبر، و لا استنكار بمبتدأ لا خبر له إذا كان المعنى بمعنى جملة مستقلة، كقولهم: أقائم الزيدان، فإنّه بالإجماع مبتدأ و لا يقدّر محذوف، و الزيدان فاعل به، فهذا مبتدأ لا خبر له في اللفظ و لا في التقدير، و إنما استقام لأنه في معنى أيقوم الزيدان؟ و كذلك قول بعض النحويين في مثل تراك و نزال: إنه مبتدأ و فاعله مضمر، و لا خبر له لاستقامة المعنى من حيث كان معناه انزل و اترك، و هذا هو الصحيح فيه، و قد ذهب كثير إلى أنه منصوب انتصاب المصدر، كأنه قيل في نزال: انزل نزولا، و هذا عندي ضعيف لأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معربا بمثابة سقيا و رعيا، و نحن نفرّق بين سقيا و بين نزال، فكيف يمكن حملها على إعراب واحد و هو أن يكونا مصدرين مع أنّ أحدهما معرب و الآخر مبني؟ و اللّه أعلم.
و قال ابن مكتوم في موضع آخر من تذكرته: مأسوف مفعول من الأسف و هو الحزن، و «على» متعلق به، كقولك أسفت على كذا أسفا و حزنت عليه حزنا و لهفت عليه لهفا و أسيت عليه أسى، و موضع قوله: «بالهم» نصب على الحال، و التقدير:
ينقضي مشوبا بالهمّ، و «غير» رفع بالابتداء، و لمّا أضيفت إلى اسم المفعول، و هو مسند إلى الجار و المجرور، استغنى المبتدأ عن خبر كما استغنى قائم و مضروب في قولك: «أقائم أخواك» و «ما مضروب غلاماك» عن خبر من حيث سدّ الاسم المرفوع بهما مسدّ الخبر، لأنّ «قائم» و «مضروب» قاما مقام يقوم و يضرب، فتنزّل كلّ واحد