الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٩
الرحمة المضافة إلى العباد، و نظيره أنك تقول: كلام اللّه لأن الكلام عام، و لا نقول:
قرآن اللّه لأنّه خاص بكلام اللّه سبحانه، و الإنصاف أن يقال في هذا القول: إنّه لا يخلو أمر قائله من أمرين، و ذلك لأنه إمّا أن يدّعي أنّ الرحمة لفظ مشترك بين المطر و غيره، و أنه موضوع بالأصالة للمطر كما أنه موضوع لغيره بالأصالة، أو يدّعي أنه موضوع لغيره بالأصالة أو يدعي أنه موضوع لغير المطر بطريق الأصالة، ثم تجوّز به عن الرحمة، فإن ادّعي الأول فقد يمنع ذلك بأنّ الذهن إنما يتبادر عند إطلاق الرحمة إلى غير المطر، و المشترك إنما حقه أن يكون على الاحتمال بالنسبة إلى معنييه أو معانيه، لا يكون أحدها أولى من غيره و إنّما يتعيّن المراد بالقرينة، ثم إنا لا نجد أهل اللغة حيث يتكلمون على الرحمة يقولون:
و من معانيها المطر، فلو كانت موضوعة له لذكروها كما يذكرون معاني المشترك، و إن ادّعي الثاني فيلزمه أن يجيز في فصيح الكلام: أرض مخضر، و سماء مرتفع و رحمة واسع، و يقول: أردت بالأرض المكان و بالسماء السقف و بالرحمة الإحسان، و هذا ما لا يقول به أحد من النحويين، و إنّما يقع ذلك في الشعر أو في نادر من الكلام و ما هذه سبيله لا يخرج عليه كتاب اللّه تعالى الذي نزل بأفصح اللغات و أرجح العبارات و ألطف الإشارات.
فإن قلت: فإني أجد في كلام كثير من المفسرين تخريج آيات من التنزيل على مثل ذلك، كما قالوا في قوله سبحانه: وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [النساء: ٨] ثم قال تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ إنّه جاز حملا على المعنى القسمة و هو المقسوم.
قلت: الذي عليه أهل التحقيق أنّ الضمير عائد على ما من قوله تعالى: مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ أي: فارزقوهم من الذي تركه الوالدان على أنّ القسم و القسمة واقعان في العربية على المقسوم وقوعا كثيرا، فلا يمتنع عود الضمير على القسمة مذكرا، يدلك على ذلك قوله سبحانه: وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ [القمر: ٢٨] أي:
مقسوم بينهم.
و اعلم أنّه لا بعد في أن يقال: إنّ التذكير في قوله سبحانه «قريب» لمجموع أمور من الأمور قدمناها.
فنقول: لمّا كان المضاف يكتسب من المضاف إليه التذكير، و هي مقاربة للرّحم في اللفظ، و كانت الرحمة هنا بمعنى المطر، و كانت «قريب» على صيغة فعيل، و فعيل الذي بمعنى فاعل قد يحمل على فعيل الذي بمعنى مفعول جاز التذكير، و ليس هذا نقضا لما قدّمناه، لأنّه لا يلزم من انتقاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلا انتقاء اعتباره مع غيره.