الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٨
أحدها: أن يقال: لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تذكر ظاهرة لأنّ هذا موضع الضمير، فإن قيل: إنّ ذلك ليس بواجب قلت: نعم، و لكنّه مقتضى الظاهر، و بهذا يصح الترجيح.
الثاني: أنّه إن أمكن الحمل على العام و هو مطلق الرحمة لا يعدل إلى الخاص، لا يقال هذا إذا لم يعارض معارض يقتضي الحمل على الخاص، كالتذكير هنا لأنّا نقول هذا إنّما يقال إذا لم يكن للتذكير وجه إلا الحمل على إرادة المطر كما ذكرت، و ليس الأمر هنا كذلك.
الثالث: أنّ الرحمة التي هي المطر لا تختصّ بالمحسنين، لأنّ اللّه تعالى تكفّل برزق العباد طائعهم و عاصيهم، و أمّا الرحمة التي هي الغفران و التجاوز فإنّها تختصّ في خطاب الشرع بالمحسنين المطيعين، و إن كانت غير موقوفة عليهم لا شرعا و لا عقلا عند أهل الحق، إلّا أنّ ذلك يذكر على سبيل التنشيط للمطيعين و التخويف للعاصين، و هذا فيه لطف، و قلّما يتنبّه له إلّا الأفراد، و من ثمّ زلّت أقدام المعتزلة، فإنّهم يجدون في خطاب الشرع ما يقتضي تخصيص الغفران و التجاوز و الإحسان بالمطيعين، فينفون رحمة اللّه عن أصحاب العصيان، فيحجرون واسعا: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢]، وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة:
١٠٥]، يَفْعَلُ ما يَشاءُ [آل عمران: ٤٠]، يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [المائدة: ١]، هذا الذي فطرنا اللّه عليه من حسن الاعتقاد، و إيّاه نسأل التوفية عليه بمنه و كرمه.
و هذا الوجه يمكن الجواب عنه بأنه كما جاز تخصيص الخطاب بالغفران بالمحسنين على سبيل الترغيب كذلك تخصيص المطر الذي هو سبب الأرزاق بهم ترغيبا في الإحسان.
الرابع: أنّك لو قلت: إن مطر اللّه قريب لوجدت هذه الإضافة تمجّها الأسماع و تنبو عنها الطباع، بخلاف «إن رحمة اللّه»، فدلّ على أنّه ليس بمنزلته في المعنى، و هذا الوجه يمكن الجواب عنه بأمرين:
أحدهما: أن يقال: لا ندّعي أنّ الرحمة بمعنى المطر، بل إنّ مجموع رحمة اللّه استعمل مرادا به المطر.
و الثاني: أنّ المطر معلوم أنّه من جهة اللّه سبحانه، فإضافته إليه كأنها غير مفيدة، بخلاف قولك: رحمة اللّه، فإن الرحمة عامة، فإن للعباد رحمة خلقها اللّه سبحانه يتراحمون بها بينهم، فإذا أضيفت الرحمة إليه سبحانه أفاد أنّه ليس المقصود