الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١١٧
و الكوفيون يرون استعمالها بمعنى غير، و أقول: إدخال الجار عليها في قول الأعشى [١]:
[الطويل]
[تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي]
و ما قصدت من أهلها لسوائكا
يخرجها من الظرفية، و إنما استجازت العرب ذلك فيها تشبيها لها بغير من حيث استعملوها استثناء و على تشبيهها بغير، قال أبو الطيب: [الكامل]
[٤٢٤]- أرض لها شرف سواها مثلها
لو كان مثلك في سواها يوجد
رفع «سوى» الأولى بالابتداء، و خفض الثاني ب في فأخرجها من الظرفية، فمن خطّأه فقد خطّأ الأعشى في قوله: «لسوائكا»، و من خطّأ الأعشى في لغته التي جبل عليها، و شعره يستشهد به في كتاب اللّه تعالى، فقد شهد على نفسه بأنّه مدخول العقل ضارب في غمرة الجهل و ليس لهذا المتطاول إلى ما يقصر عنه ذرعه شيء يتعلق به في تخطئة العرب إلّا قول الشاعر: [الطويل]
[٤٢٥]- حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
فكلّ فاقرة ينزلها بالعربية يزفّ أمامها هذا البيت معارضا به أشعار الفحول من العرب العاربة، و ليس دخول إلّا في هذا البيت خطّأ كما توهّم، لأن بعض النحويين قدّر في «ينفك» التمام، و نصب «مناخة» على الحال، فينفك هاهنا مثل منفكّين في قول اللّه عزّ و جلّ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ١]، فالمعنى ما تنفصل عن جهد و مشقة إلّا في حال إناختها على الخسف، و رمي البلد القفر بها، أي: تنتقل من شدّة إلى شدّة.
و من العجب أنّ هذا الجاهل يقدم على تخطئة سلف النحويين و خلفهم، و تخطئة الشعراء الجاهليين و المخضرمين و الإسلاميين، فيعترض على أقوال هؤلاء و أشعار هؤلاء بكلام ليس له محصول، و لا يؤثر عنه أنّه قرأ مصنفا في النحو إلا مقدمة
[١] مرّ الشاهد رقم (١٥٤) .
[٤٢٤] - الشاهد للمتنبي في ديوانه (ص ٥٧)، و خزانة الأدب (٣/ ٤٣٦).
[٤٢٥] - الشاهد لذي الرمة في ديوانه (ص ١٤١٩)، و تخليص الشواهد (ص ٢٧٠)، و خزانة الأدب (٩/ ٢٤٧)، و شرح شواهد المغني (١/ ٢١٩)، و لسان العرب (فكك)، و المحتسب (١/ ٣٢٩)، و همع الهوامع (١/ ١٢٠)، و بلا نسبة في أسرار العربية (ص ١٤٢)، و الجنى الداني (ص ٥٢١)، و شرح الأشموني (١/ ١٢١)، و مغني اللبيب (١/ ٧٣)، و همع الهوامع (١/ ٢٣٠).