الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٩
بإعداده للعدوّ ليرهبوهم و ليخيفوهم، و هذا باب يطول جدا، و فيما أومأت إليه دليل عما سواه مما يتصل به.
و أما سؤالك أيّدك اللّه عن مذاهب العرب في العرض، و هل كانوا عارفين به أم كيف سمّوا شيئا لا يعرفون حقيقته، فقد ذكرت لك أيدك اللّه أنّه ليس في كلامهم من اسم هزل و لا جدّ إلّا و تحته معنى من جنسه، و لكنّهم لم يكونوا يذهبون بالعرض مذاهب المتفلسفة و لا طريق أهل الجدل، و إن كان مذهبهم فيه لمن تدبّر مطابقا لغرض الفلاسفة و المتكلمين في حقيقته، و ذلك أنّهم يذهبون بالعرض إلى أسماء منها: أن يضعوه موضع ما اعترض لأحدهم من حيث لم يحتسبه، كما يقال:
علّقت فلانة عرضا أي اعتراضا من حيث لم أقدّره، قال الأعشى: [البسيط]
[٤١٦]- علّقتها عرضا و علّقت رجلا
غيري و علّق أخرى ذلك الرّجل
و قد يضعونه موضع ما لا يثبت فلا يدوم، كقولهم: كان ذلك الأمر عن عرض ثم زال، و قد يضعونه موضع ما يتصّل بغيره و يقوم به، و قد يضعونه مكان ما يضعف و يقلّ، فكأنّ المتكلمين استنبطوا العرض من أحد هذه المعاني فوضعوه لما قصدوا له، و هو- إذا تأملته- غير خارج عن مذاهب العرب، و كذلك الجوهر عند العرب، إنما يشيرون به إلى الشيء النفيس الجليل، فاستعمله المتكلمون فيما خالف الأعراض، لأنّها أشرف منها، و قد ولّدت أسماء في الإسلام لم تكن العرب قبله عارفة بها، إلّا أنّها غير خارجة عن معاني كلامها و استفادة معرفتها إذ كانت على أوضاعها و المعاني التي تعقلها، و ذلك نحو الكافر و الفاسق و المنافق إنما اشتقاق الكافر من كفرت الشيء إذا سترته و غطيته، و الفاسق من فسقت الرّطبة إذا خرجت من قشرها، و اشتقاق المنافق من النّافقاء و هو أحد جحرة اليربوع إلى كثير من ذلك يطول تعداده، و كذلك في كل زمان و أوان لا يخلو الناس فيه من توليد أسماء يحدث لها أسباب، فيتعارفونها بينهم بكل لغة و لسان، فليس هذا منكرا إذا كان ذلك غير خارج عن الأصول المتفق عليها و المعاني المعقولة بينهم، و فيما ضمّنت من كتاب الاشتقاق ما يدلك على ما التمست الوقوف عليه من هذا النحو، و هذا من القول كاف في جواب ما سألت عنه، و أطال اللّه بقاءك و أدام عزك و تأييدك، و أتمّ نعمته عليك و على أهل العلم بك و فيك و عندك.
[٤١٦] - الشاهد للأعشى في ديوانه (ص ١٠٧)، و شرح التصريح (١/ ٢٨٦)، و لسان العرب (عرض) و (علق)، و تاج العروس (علق)، و المقاصد النحوية (٢/ ٥٠٤)، و بلا نسبة في أوضح المسالك (٢/ ١٣٦).