الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٦
و الناس في الاشتقاق على ثلاثة مذاهب: فأمّا جمهور العلماء من أهل اللغة و النظر من الكوفيين و البصريين مثل الخليل و أبي عمرو و سيبويه و الأخفش و يونس و قطرب و الكسائيّ و الفراء و الأصمعي و أبي زيد و أبي عبيد و غيرهم على أنّ بعض الأسماء مشتق و بعضها غير مشتق، و أهل الظاهر يذهبون إلى أنّ الكلام كله أصل في بابه، ليس شيء منه مشتقا من شيء، فإن قيل: إنّ القطاميّ مشتق من القطم و هو الشّهوان للحم و غيره، قالوا: بل القطم مشتق من القطاميّ، و إن قيل لهم، إنّ زهيرا من الأزهر و هو الأبيض قالوا: بل الأزهر من زهير و إن قيل لهم: إنّ الباتر في صفات السيف من البتر و هو القطع قالوا: لا، البتر من الباتر، و من صيّر أحد هذين أولى بأن يكون أصلا من صاحبه، بل الكلام كله أصل في بابه، و يدفعون الاشتقاق أصلا، و هؤلاء ليس ممّن يذهب مذهب أهل اللغة، و لا يتعلق بأساليبها، لأنّه ليس أحد من أهل اللغة يدفع الاشتقاق بوجه و لا سبب.
و قوم يذهبون إلى أنّ الكلام كله مشتق، و هذا شيء لم ألق أحدا ممن يوثق بعلمه يقول به، و لا قرأت فيه كتابا للمتقدمين مصنفا، و إنّما هو قول شاذ يتعلق به بعض المتكلفين التحقق باللغة، و بعض الناس يزعم أنّ أبا إسحاق الزجاج كان يذهب إليه، و معاذ اللّه من ذلك، و إنّما دعاهم إلى هذا إملاء أبي إسحاق كتابه الكبير في الاشتقاق، و ذلك أنّه توغل في كثير منه و تقلّد في كثير مما هو غير مشتق عند أهل اللغة أنّه مشتق، فأمّا أن يعتقد أنّ الكلام كله مشتق فمحال لأنّه لا بدّ للمشتق من أصل يتناهى إليه غير مشتق، و ذكرت في هذا الفصل رقعة أبي الحسن الصيمري المتكلم إلى أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد في هذا المعنى و جوابها منه، فأجبت أن أتحفك بهما، لما فيهما من الفوائد من حسن سؤال السائل و إجابة المجيب في الجواب.
كتب أبو الحسن الصيمري إلى أبي بكر بن دريد: أنت أدام اللّه عزّك كهف الأدب، و إليك مفزع أهله فيما أشكل من اللغة، و استعجم من معاني العربية، و قد زعم قوم من أهل الجدل أنّ العرب تسمّت بأسماء تأدّت إليها صورها و لم يعرفوا هم معانيها و حقائقها، فقيل لهم: أتعرفون ما تحت تلك الأسماء التي لم يعرفوا حقائقها و مجازها و الاتساع فيها؟ فقالوا: لا هل يجوز عندك أن توقع العرب اسما على ما لا معنى تحته يعرفونه هم؟ و قالوا: إنّ العرب لم تدر ما الاستطاعة و ما القدرة و ما القوة، فما عندك في ذلك؟ و تفضّل بتعريفنا هل في كلامهم إذا قيل لأحدهم: بماذا استطعت قطع هذا الحبل و هذا الطّنب أو هذا اللحم أن يقول بسكين أو شفرة أو