الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٦٩ - يموت وحده، و يبعث وحده
كن أبا ذر:
و قد ظهر من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك الذي جاء وحده إلى تبوك: «كن أبا ذر» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فصل بين موقفه في تعامله المباشر مع الحالة العامة للناس، و وضع الأسس الصحيحة لهذا التعامل، و بين تعامل آخر، صحيح و سليم أيضا، و هو حقه في أن يعبر عما يحتفظ به من قناعات عن الأشخاص فيما يرتبط بملكاتهم و خصائصهم، و طبيعة تكوينهم الروحي، و سلوكهم الشخصي. فتوقع! ! أن يكون ذلك القادم وحده من قلب الصحراء أبا ذر الذي عرف أخلاقه، و ما يحمله من مبادئ، و طبيعة سلوكه و مواقفه. .
يموت وحده، و يبعث وحده:
و كما كان إبراهيم أمة عابدا و خاضعا و قانتا للّه، فإن أبا ذر كان أمة قانتا للّه و خاشعا له، و يعيش الإستقلالية و الغنى عن الإرتباط بأي شيء آخر سوى اللّه تعالى، فهو يعيش وحده، و يموت وحده، و يبعث يوم القيامة وحده، لم يجعل أي شيء في وجوده مرتهنا و لا مقيدا بأي شيء آخر.
و لا يعبد شيئا غير اللّه، و لا يقيم وزنا لأي شيء سواه.
و هذه مرتبة جليلة لا يصل إليها إلا الصفوة من أهل التقوى، الذين حرروا أنفسهم من أي ارتباط بما في هذه الحياة الدنيا. .
و ما يؤكد ذلك و يوضحه: أن الروايات قد جاءت لتؤكد على غربة الدين و أهله عن هذه الدنيا و عن أهلها، ليكون أبو ذر «رضوان اللّه عليه» مصداقا لقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود