قصص الانبياء - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٨٩ - الباب التّاسع عشر في الدّلائل على نبوّة محمّد (ص) من المعجزات وغيرها
الخير قلوبكم معاشر اليهود في زمان موسى صلوات الله عليه ، ومن الآيات والمعجزات الّتي شاهدتموها من محمّد صلىاللهعليهوآله فهي كالحجارة اليابسة لا ترشح برطوبة ، أي : أنّكم لا حقّ لله تؤدّون ولا مكروباً تغيثون ولا بشيء من الإنسانيّة تهاشرون وتعاملون أو أشدّ قسوة أبهم على السّامعين ولم يبيّن لهم ، كما يقول القائل : أكلت خبزاً أو لحماً ، وهو لا يريد به أنّي لا أدري ما أكلت بل يريد به أن يبهم على السّامعين حتّى لا يعلم ماذا أكل وان كان يعلم أنّه قد أكل أيّهما « وإنّ من الحجار لما يتفجّر منه الأنهار » فيجيء بالخير والغيارث لبني آدم ، وأنّ منها أي : من الحجارة ما يشّقق فيقطر منه الماء دون الأنهار ، وقلوبكم لا يجيء منها الكثير من الخير ولا القليل ، ومن الحجارة إن أسم عليها باسم الله تهبط ، وليس في قلوبكم شيء منه.
فقالوا : يا محمد : زعمت أنّ الحجارة ألين من قلوبنا وهذه الجبال بحضرتنا ، فاستشهدها على تصديقك فان نطقت بتصديقك فأنت المحق ، فخرجوا إلى أوعر جبل ، فقالوا : استشهده. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : أسألك بجاه محمد وآله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف الله العرش على كواهل ثمانية من ملائكته بعد أن لم يقدروا على تحريكه ، فتحرّك الجبل وفاض الماء ، ونادى أشهد أنّك رسول ربّ العالمين ، وأنّ هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة.
فقالت اليهود : أعلينا تلبّس؟ أجلست أصحابك خلف هذا الجبل ينطقون بمثل هذا ، فإن كنت صادقاً فتنحّ من موضعك هذا إلى ذلك القرار ، ومر هذا الجبل يسير إليك ، ومره أن يتقطع نصفين ترتفع السّفلى وتنخفض العليا ، فأشار صلىاللهعليهوآله إلى حجر فتدحرج ، ثمّ قال لمخاطبه : خذه وقرّبه ، فسيعيد عليك ما سمعت ، فانّ هذا من ذلك الجبل ، فأخذه الرّجل فأدناه إلى اُذنه فنطق الحجر مثل مانطق به الجبل قال : فأتني بما اقترحت.
فتباعد رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى فضاء واسع. ثم نادى أيّها الجبل بحق محمد وآله الطّيّبين لمّا اقتلعت من مكانك باذن الله تعالى وجئت إلى حضرتي ، فنزل الجبل وصار كالفرس الهملاج [١] ونادى ها أنا سامع ومطيع مرني ، فقال : هؤلاء اقترحوا عليّ أن آمرك أن تتقطع من أصلك فتصير نصفين ، ثمّ ينحط أعلاك ويرتفع أسفلك. فتقطع نصفين وارتفع
[١] دابة هملاج : حسنة السّير في سرعة وبخترة ، في المذكّر والمؤنّث سواء.