قصص الانبياء - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ١٤٤ - الباب السابع في ذكر أيوب وشعيب (ع)
فتربّد [١] وجه هشام ، وامتقع [٢] لونه ، وهمّ أن يبطش بأبي فقال له أبي : يا امير المؤمنين الواجب على النّاس الطّاعة لأمامهم والصّدق له بالنّصيحة ، وأنّ الّذي دعاني إلى ما أجبت به أمير المؤمنين فيما سألني عنه معرفتي بما يجب له من الطّاعة ، فيحسن ظنّ أمير المؤمنين فقال له هشام : أعطني عهد الله وميثاقه ألاّ ترفع هذا الحديث إلى أحد ما حييت فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه.
ثمّ قال هاشم : انصرف إلى أهلك إذا شئت ، فخرج ابي متوجّهاً من الشّام نحو الحجاز ، وابرد هشام بريداً وكتب معه إلى جميع عمّاله ما بين دمشق إلى يثرب يأمرهم أن لا يأذنوا لأبي في شيء من مدينتهم ، ولا يبايعوه في أسواقهم ، ولا يأذنوا له في مخالطة أهل الشّام حتّى ينفذ إلى الحجاز ، فلمّا انتهى إلى مدينة مدين ومعه حشمه ، وأتاهم بعضهم فأخبرهم أنّ زادهم قد نفد ، وأنّهم قد منعوا من السوق ، وأن باب المدينة أغلق.
فقال : أبي : فعلوها؟ ائتوني بوضوء فأتى بماء فتوضّأ ، ثم توكّأ على غلام له ، ثمّ صعد الجبل حتّى إذا صار في ثنيّة استقبل القبلة ، فصلّى ركعتين ، فقام وأشرف على المدينة ، ثمّ نادى بأعلى صوته ، وقال : « وإلى مدين أخاهم شعيباً قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنّي أراكم بخير وإنّي أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين » [٣] ثمّ وضع يده على صدره ، ثم نادى بأعلى صوته أنا والله بقيّة الله ، أنا والله بقيّة الله. قال : وكان في أهل مدين شيخ كبير قد بلغ السّن وأدبته التّجارب ، وقد قرأ الكتب ، وعرفه أهل مدين بالصّلاح ، فلمّا سمع النّداء قال لأهله : أخرجوني فحمل ووضع وسط المدينة ، فاجتمع النّاس غليه ، فقال لهم : ما هذا الّذي سمعته من فوق الجبل ، قالوا : هذا رجل يطلب السّوق فمنعه السّلطان من ذلك وحال بينه وبين منافعه ، فقال لهم الشّيخ : تطيعونني؟ قالوا : اللّهم نعم ، قال : قوم صالح إنّما ولي عقر النّاقة منهم رجل واحد ، وعذّبوا جميعاً على الرّضا بفعله ، وهذا رجل قد قام مقام
[١] تربّد وجه فلان : تغيّر من الغضب.
[٢] أي : تغيّر من حزن أو فزع.
[٣] سورة هود : ( ٨٤ ـ ٨٦ ).