قصص الانبياء - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٢٤ - الباب الخامس عشر في نبوّة ارميا ودانيال
فقيل له : إنّ لهم صاحباً كان يحذّرهم بما أصابهم ، فاتّهموه وسجنوه ، فأمر بخت نصّر فاُخرج من السّجن ، فقال له أكنت تحذّر هؤلاء؟ قال : نعم. قال : وأنّى اُعلمت ذلك؟ [١] قال : أرسلني الله به إليهم قال : فكذبوك وضربوك؟ قال : نعم. قال : لبئس القوم قوم ضربوا نبيّهم ، وكذبوا رسالة ربّهم ، فهل لك أن تلحق بي فاُكرمك؟ وإن أحببت ان تقيم في بلادك أمنتك ، قال إرميا عليهالسلام : إنّي لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ، ولو أنّ بني إسرائيل لم يخرجوا من أمانه لم يخافوك.
فأقام غرميا مكانه بأرض إيليا ، وهي حينئذ خراب قد هدم بعضا ، فلمّا سمع به من بقي من بني إسرائيل اجتمعوا إليه ، وقالوا : عرفنا أنّك نبيّنا فانصح لنا ، فأمرهم أن يقيموا معهم ، فقالوا : ننطلق إلى ملك مصر نستجير ، فقال إرميا عليهالسلام : إنّ ذمة الله أوفى الذّمم ، فانطلقوا إلى مصر وتركوا إرميا ، فقال لهم الملك : أنتم في ذمّتي ، فسمع ذلك بخت نصّر ، فارسل إلى ملك مصر ابعث بهم إليّ مصفّدين وإلاّ آذنتك بالحرب.
فلمّا سمع أرميا بذلك أدركته الرّحمة لهم ، فبادر إليهم لينقذهم فورد عليهم ، وقال : إنّ الله تعالى أوحى إليّ أنّي مظهر بخت نصّر على هذا الملك ، وآية ذلك أنّه تعالى أراني موضع سرير بخت نصّر الّذي يجلس عليه بعدما يظفر بمصر ، ثمّ عمد فدفن اربعة أحجار في ناحية من الارض ، فسار إليهم بخت نصّر وظفر بهم وأسرهم ، فلمّا اراد أن يقسّم الفيء ويقتل الاسارى ويعتق منهم كان فيهم إرميا.
فقال له بخت نصّر : اراك مع أعدائي بعدما عرضتك من الكرامة ، فقال له إرميا عليهالسلام : إنّي جئتهم مخوّفاً أخبرهم خبرك ، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك هذا وأنت بارض بابل ، ارفع سريرك فانّ تحت كلّ قائمة من قوائمه حجراً دفنته بيدي وهم ينظرون ، فلمّا رفع بخت نصّر سريره وجد مصداق ما قال ، فقال لأرميا : إنّي لأقتلهم إذ كذبوك ولم يصدّقوك ، فقتلهم ولحق بأرض بابل.
فأقام إرميا بمصر مدّة ، فأوحى الله تعالى إليه : ألحق بأيليا. فانطلق حتّى إذا رفع له شخص بيت المقدس ورآى خراباً عظيماً ، قال : « أنّى يحيى هذه الله » فنزل في ناحية
[١] في البحار : وأنّي علمت ذلك.