قصص الانبياء - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ١٦٨ - في تسع آيات موسى
فلمّا مضى الأجل الّذي كان بين موسى وفرعون أوحى الله تعالى إلى موسى صلوات الله عليه أن اضرب بعصاك النّيل ، وكانوا يشربون منه ، فضر به فتحوّل دماً عبيطاً ، فإذا ورده بنوا إسرائيل استقوا ماءاً صافياً ، وإذا روده آل فرعون اختضبت أيديهم واسقيتهم بالدّم ، فجهدهم العطش حتّى أنّ المرأة من قوم فرعون تستقي من نساء بني إسرائيل ، فإذا سكبت الماء لفرعونيّة تحوّل دماً ، فلبثوا في ذلك أربعين ليلة ، وأشرفوا على الموت واستغاث [١] فرعون وآله بمضغ الرّطبة ، فصير ماؤها مالحاً ، فبعث فرعون إلى موسى : ادع لنا ربّك يعيد لنا هذا الماء صافياً ، فضرب موسى بالعصا النّيل ، فصار ماءاً خالصاً. هذا [٢] قصّة الدّم.
وأمّا قصّة الضّفادع ، فإنّا تعالى أوحى إلى موسى أن يقوم إلى شفير النّيل حتّى يخرج كلّ ضفادع خلقه الله تعالى من ذلك الماء ، فأقبلت تدبّ سراعاً تؤمّ أبواب المدينة ، فدخلت فيها حتّى ملأت كلّ شيء ، فلم تبق دار ولا بيت ولا إناء إلاّ امتلأت ضفادع ، ولا طعام ولا شراب إلاّ في ضفادع ، حتّى غمّهم ذلك وكادوا يموتون ، فطلب فرعون إلى موسى صلوات الله عليه أن يدعوا ربّه ليكشف البلاء ، واعتذر إليه من الخلف ، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن أسعفه ، فأناف [٣] موسى بالعصا ، فلحق دميع الضّفادع بالنّيل.
وأمّا قصّة الجراد والقمّل ، فانّه تعالى أوحى إلى موسى عليهالسلام أن ينطلق إلى ناحية من الارض ويشير بالعصا نحو المشرق وأخرى نحو المغرب ، فانبثّ [٤] الجراد من الأفقين جميعاً ، فجاء مثل الأسود ، وذلك في زمان الحصاد ، فملأ كلّ شي وغمّ الّزرع ، فأكله وأكل خشب البيوت وأبوابها ومسامير الحديد والأقفال والسّلاسل ، ونكت موسى الأرض بالعصا ، فامتلأت فصار وجه الأرض أسود وأحمر ، حتّى أنّ ثيابهم ولحفهم وآنيتهم فتجيء من اصله [٥] وتجىءُ من راس الرّجل وليحته وتأكل كلّ شيءٍ ، فلمّا رأوا الّذي نزل من البلاء اجتمعوا إلى فرعون ، وقالوا : ليس من بلاء إلاّ ويمكن الصّبر عليه إلاّ الجوع ، فانّه بلاء فاضح
[١] في هامش ق ٤ : واشتغل وفي ساير النّسخ حتّى البحار : واستغاث والظّاهر : واستعان. على ما يستدعيه معنى العبارة.
[٢] في ق ١ : هذه.
[٣] أي : أشاربها.
[٤] في ق ٣ والبحار : فانبثق.
[٥] في البحار ( ١٣/١١٥ ) : حتى ملئت ثيابهم ولحفهم وآنيتهم فتجيء متواصلة.