قصص الانبياء - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٥٨ - الباب السّابع عشر في ذكر شعيا وأصحاب الأخدود وإلياس واليسع ويونس وأصحاب الكهف والرّقيم ٢
فضّة مملوّ من ماء الورد ، وفي يد الآخر طائر أبيض له منقار أحمر فإذا نظر الملك إلى ذلك الطّائر صفر به ، فيطير الطّائر حتّى يقع في جام ماء الورد فيتمرّغ فيه ، فيحمل ما في الجام بريشه وجناحه ، ثمّ يصفر به الثّانية ، فيطير الطّائر على تاج الملك ، فينفض ما في ريشه على رأس الملك.
فلمّا نظر الملك إلى ذلك عتا وتجبّر فادّعى الرّبوبيّة من دون الله ، ودعا إلى ذلك وجوه قومه ، فكلّ من أطاعه على ذلك أعطاه وحباه وكساه ، وكلّ من لم يبايعه قتله فاستجابوا له رأساً ، واتّخذ لهم عيداً في كلّ سنة مرّة.
فبينما هم ذات يوم في عيد ، والبطارقة عن يمينه ، والهراقلة عن يساره ، إذ أتاه بطريق ، فأخبره أنّ عساكر الفرس قد غشيته فاغتم لذلك حتّى سقط التّاج عن ناصيته [١] ، فنظر إليه أحد الثّلاثة الّذين كانوا عن يمينه يقال له : تمليخاً وكان غلاماً ، فقال في نفسه : لو كان دقيوس إلهاً كما يزعم إذاً ما كان يغتم ولا يفزع وما كان يبول ولا يتغوّط وما كان ينام ، وليس هذا من فعل الإله.
قال : وكان الفتية السّتة كلّ يوم عند أحدهم وكانوا ذلك اليوم عند تمليخاً ، فاتّخذ لهم من أطيب الطّعام ، ثمّ قال لهم : يا إخوتاه [٢] قد وقع في قلبي شيء منعني الطّعام والشّراب والمنام ، قالوا : وما ذاك يا تمليخاً؟ قال : أطلت فكري في هذه السّماء ، فقلت : من رفع سقفها مخفوظا بال عمد ولا علاقة من فوقها؟ ومن أجرى فيها شمساً وقمراً آيتان مبصرتان؟ ومن زيّنه بالنّجوم؟ ثم أطلت الفكر في الارض فقلت : من سطحها على صميم الماء الزّخار؟ ومن حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء؟ وأطلت فكري في نفسي من أخرجني جنيناً من بطن أميّ؟ ومن غذاني؟ ومن ربّاني؟ أنّ لها صانعاً ومدبراً غير دقيوس الملك ، وما هو إلاّ ملك الملوك وجبّار السّماوات.
فانكبت الفتية على رجليه يقبّلونهما ، وقالوا : بك هدانا الله من الضّلالة إلى الهدى فأشر علينا ، قال : فوثب تمليخاً فباع تمراً من حائط له بثلاثة آلاف درهم وصرّها في ردنه [٣] ،
[١] في البحار : عن رأسه.
[٢] في ق ٣ : يا اخوتي.
[٣] في ق ٢ : في رداء له ، وفي البحار عن نسخة : في ردائه. والرّدن أصح واوضح وهو بمعني : الطّرف الواسع من الكم.