الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٧٢
تكليفاً ووضعاً. وهذا ما سيأتي الحديث عنه عند البحث عن لزوم الإباحة المعوّضة.
وقد يحاول تخريج الإباحة بعوض على أساس عقد الجعالة؛ بأن يقول الجاعل:
من يملّكني درهماً ابيح له سكنى داري شهراً مثلًا، فتشمله أدلّة صحّة الجعالة، فلا يكون عقداً مستقلًاّ بل مصداقاً من مصاديق عقد الجعالة.
ويمكن أن يلاحظ على هذا التخريج:
أوّلًا- أنّ الجعالة إنّما تصحّ فيما تصحّ فيه الإجارة، أي في عمل يمكن أن يبذل بإزائه المال والاجرة.
وقد تقدّم عن بعض الفقهاء كالمحقّق النائيني الإشكال في صحّة جعل العوض في قبال عمل لا يكون ملحوظاً إلّا آليّاً وطريقاً إلى المال وليس بنفسه المال كفعل التمليك، كما إذا آجره ليملّكه ماله، بل المقابلة في مثل هذه الموارد تكون بين المالين، فيرجع في المقام إلى الإباحة في مقابل العوض.
وثانياً- أنّ اللازم في عقد الجعالة التزام الجاعل بالجعل للعامل ليكون عقداً، ومجرّد الإذن والإباحة ليس فيه التزام، إلّا إذا كان المقصود التزام المبيح بها لا مجرّد الإباحة، فيتوقّف على ما ذكرناه في بيان وجه عقديّة الإباحة بعوض من كونه التزاماً بالإباحة زائداً على الإذن، فيمكن أن يكون عقداً مستقلًاّ والتزاماً في قبال التزام بدفع العوض، كما هو كذلك عرفاً.
نعم، هذا لا يدفع معقوليّة الجعالة أيضاً، وأثرها عندئذٍ: أنّ التزام المبيح بالإباحة معلّق على تمليك العوض من الآخر، وليس في قبال التزام الآخر، فلا إلزام ولا التزام من قبل الآخر بالتمليك، بل الأمر بالعكس على تقدير التمليك والهبة للعوض تلزم الإباحة على المبيح؛ لأنّه ملتزم به بعقد الجعالة بحسب الفرض.
كما يمكن أن تكون الجعالة من طرف صاحب العوض، فهو يجعل لمن يبيح له المال العوض، فيكون ملتزماً بدفعه إذا أباح له المال.
وهكذا يتّضح أنّه يعقل تصوير الإباحة بالعوض بنحو يرجع إلى عقد ومعاملة مستقلّة فيها التزام بالإباحة في مقابل