الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٦٩
حيث اعتبروها عقداً ومعاملة مستقلّة لا ربط لها بعقد الصلح، ولا يشترط فيها إنشاء مفهوم التصالح صريحاً أو ضمناً كما هو مقتضى عقد الصلح، بل هي عقد برأسه ينشأ فيه الإباحة في مقابل تمليك العوض أو إباحته، فيكون مشمولًا لعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و«المسلمون عند شروطهم» بناءً على شموله للعقود أيضاً وعدم اختصاصه بالشروط ضمن العقود.
بل توسّع بعضهم وجعلها مشمولة لعموم «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ»؛ لأنّ التجارة مطلق التكسّب و«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» خصوصاً إذا كان تمليك مال في قبال الإباحة؛ لأنّ العمل وإن لم يكن مبيعاً في البيع، ولكن يصحّ جعله عوضاً فيه [١].
ب- وفي قبال ذلك أصرّ المحقّق النائيني على بطلانها وعدم صحّتها لا بعنوان الصلح- لما ذكر- ولا بعنوان التجارة ومعاوضة مستقلّة لأنّها لا بدّ وأن يكون التكسّب فيها من الطرفين لا من طرف واحد، والمباح له لم يكتسب مالًا، ولا بعنوان العقد؛ لعدم وجود التزام من طرف المبيح للآخر، وإنّما مجرّد إذن يترتّب عليه جواز التصرّف شرعاً [٢].
[١] تقدّم في الهامش السابق عن مصباح الفقاهة، فراجع.
[٢] قال: «التحقيق فساد هذه المعاملة وعدم صحّتها لا صلحاً ولا بعنوان المعاملة المستقلّة؛ وذلك لما تقدّم وجهه من عدم تحقّق معنى المعاوضة أصلًا؛ لعدم ورود شيء مكان المال الذي يخرج عن المباح له، وجواز الانتفاع من مال المبيح ليس شيئاً يمكن أن يقع في طرف خيطه؛ لأنّه حكم شرعي مترتّب على إباحة المبيح، ولا يكون ملكاً كالعين والمنفعة، ومع عدم صدق المعاوضة عليها فلا يشملها شيء من العمومات لا دليل الصلح، ولا دليل التجارة، ولا عموم «المؤمنون»، ولا شيئاً من الأدلّة.
ومنه يظهر سقوط التمسّك بالعمومات لإثبات لزومها أيضاً.
ثمّ على تقدير الصحّة فالتمسّك بالعموم لإثبات اللزوم حتى من طرف المبيح لا يخلو عن الغرابة، وإلّا يصحّ التمسّك لإثبات لزوم كلّ إباحة. وهذا كما ترى؛ فإنّ المبيح ما التزم بشيء أصلًا» [تقريرات النائيني للآملي (المكاسب والبيع) ١: ٢١٨].
ووافقه عليه تلميذه السيّد الخوئي في أحد تقريريه، ولكن مع الحكم بصحّتها بعنوان الإباحة المعلّقة أو المشروطة، وهي ليست بعقد كما تقدّم.
قال قدس سره: «وتحقيق ذلك: أنّ التمليك والإباحة قد يقعان مورداً لعقد آخر من صلح أو إجارة أو بيع كما إذا تصالح المبيح والمملِّك على الإباحة والتمليك وأنشئاه بعنوان الصلح أو آجر كلّ منهما الآخر على ذلك، أو باع أحد شيئاً وجعل ثمنه الإباحة، أي تمليك عمل الإباحة.
وقد تنشأ الإباحة في مقابل التمليك من دون] تعلّق عقد بهما.
أمّا الأوّل، فلا إشكال في صحّته ولزومه، فيجب على كلٍّ منهما العمل بما التزم به ويملك كلّ منهما ذلك على الآخر، نعم وجوب الإباحة على المبيح تكليفي لا وضعي، فله الرجوع وضعاً متى شاء، بخلاف التمليك على الطرف الآخر، وعليه فإن أباح المبيح وكان مورد العقد الإباحة في الجملة لا يجوز للمالك الرجوع؛ لأنّه من أكل المال بالباطل، وأمّا إذا لم يبح أو كانت الإباحة مستمرّة- كما هو الظاهر- ورجع في الأثناء ثبت الخيار للمالك من باب تخلّف الشرط.
وأمّا الثاني، فقد عرفت فيما سبق عدم كونه من المعاوضات المالية، وإنّما هو إباحة مشروطة أو معلّقة، ولكنّه مع ذلك صحيح على القاعدة. ويؤيّده قوله صلى الله عليه وآله وسلم «الناس مسلّطون على أموالهم» فإنّ مقتضاه تسلّط المالك على إباحة ماله للغير مشروطاً أو معلّقاً كيفما أراد.
فإن كانت إباحة مشروطة أي إباحة فعليّة مجّانية غايته قد شرط في ضمنها على المباح له تمليك ماله فيجب عليه الوفاء به؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم «المؤمنون عند شروطهم» جاز للمبيح الرجوع عن إباحته مهما أراد، ولكن المملّك ليس له الرجوع ابتداءً؛ لأنّ تمليكه لم يكن هبة مجّانية لتكون جائزة وإنّما كانت في مقابل الإباحة، فهي هبة معوّضة لازمة، إلّا إذا رجع المبيح وحينئذٍ لا يبعد أن يثبت للمملّك ذلك؛ لتخلّف الشرط.
وأمّا إذا كانت إباحة معلّقة- شخصيّة أو نوعيّة- بأن تكون فعليّتها منوطة بتحقّق المعلّق عليه من دون أن يجب إيجاده على الطرف أصلًا لعدم التزامه به فيجوز للمملِّك أيضاً الرجوع ابتداءً؛ لأنّ تمليكه كان هبة مجّانية جائزة إلّا إذا كانت إلى ذي رحم فتكون لازمة لا يجوز له الرجوع، إلّا إذا رجع المبيح فيثبت له خيار تخلّف الشرط. ولا ينافيه إطلاق ما دلّ على لزوم الهبة إلى ذي رحم؛ فإنّه ناظر إلى لزومها من حيث كونها هبة، فلا مانع من ثبوت الخيار فيها من جهة اخرى» (محاضرات في الفقه الجعفري ٢: ٩٥- ٩٦).