الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٢٣
وقد يستدلّ أيضاً لوقوع الهبة في الدين إبراءً بدلالة النصوص على عدم جواز الرجوع فيه، مع انّه لو كان هبة لجاز كما يجوز فيها، فكأنّه استدلال باللازم.
فمن النصوص المستدلّ بها صحيحة معاوية بن عمار الاولى قال: «سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له، أله أن يرجع فيها؟ قال: لا» [١].
وصحيحته الثانية قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: «رجل كانت عليه دراهم لإنسان فوهبها له ثمّ رجع فيها، ثمّ وهبها له، ثمّ رجع فيها، ثمّ وهبها له، ثمّ هلك، قال:
هي للذي وهبها له» [٢].
وربما نوقش في الرواية الثانية بأنّها دالّة على عكس المطلوب؛ لتضمّنها رجوع الواهب في دينه أكثر من مرّة، ومعها تكون معارضة للرواية الاولى.
واجيب بأنّ الرجوع بعد الهبة إنّما وقع في حكاية كلام السائل لا في كلام الإمام عليه السلام ليحتجّ به، فلا منافاة بينه وبين ما دلّت عليه الرواية الاولى [٣].
وسوف تأتي المناقشة في أصل هذا الاستدلال.
القول الثاني: وقد ذهب إليه بعض آخر من الفقهاء حيث أفادوا أنّ هبة الدين لمن هو عليه تمليك له وإن أفادت فائدة الإسقاط فتكون هبة، وتجري عليها أحكامها من اشتراط القبول والقبض الحاصل فرضاً، لكون الموهوب في ذمّة الموهوب له.
نعم، لا يجوز الرجوع في الموهوب لا لصيرورة الهبة عقداً لازماً، بل لسقوط الموهوب عن ذمّة المتّهب بمجرّد هبته؛ إذ لا يعقل بقاء ملكية الانسان شيئاً على نفسه، ومن شرط جواز الرجوع في الهبة بقاء الموهوب وعدم تلفه.
وبهذا الوجه يجاب عمّا استدلّ به للقول الأوّل، فإنّ دلالة الروايات على عدم جواز الرجوع لا ينافي كون الحاصل هبة.
[١] الوسائل ١٩: ٢٢٩ ب ١ من الهبات، ح ١.
[٢] المصدر السابق: ح ٢.
[٣] الحدائق ٢٢: ٣٠٧.