الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٠٨
والمستظهر من كلمات الأصحاب وفتاواهم إلى زمان العلّامة الحلّي قدس سره [١]:
[١] وإليك كلماتهم إلى زمن العلّامة [ت/ ٧٢٦ ه]:
فعن ابن الجنيد- كما في المختلف (٥: ٢٤٠، م ٢١٠)-: «لا يشترى وحده إلّا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري أو يضمنه له البائع».
وقال الشيخ المفيد (المقنعة: ٦٠٠): «ولا يجوز ابتياع العبد الآبق إلّا أن يبتاع معه شيء آخر».
وقال السيد المرتضى (الانتصار: ٤٣٥): «وممّا انفردت به الإماميّة القول بجواز شراء العبد الآبق مع غيره، ولا يشترى وحده إلّا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري. وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أنّه لا يجوز بيع الآبق على كلّ حال إلّا ما روي عن عثمان البتي أنّه قال: لا بأس ببيع الآبق والبعير الشارد، وإن هلك فهو من مال المشتري، وهذا كالموافقة للإماميّة إلّا أنّه لم يشرط أن يكون معه في الصفقة غيره كما شرطت الإماميّة.
والدليل على صحّة ما ذهبنا إليه الإجماع المتكرّر. ومعوَّل مخالفينا في منع بيعه على أنّه بيع غرر وأنّ نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الغرر، وربّما عوّلوا على أنّه مبيع غير مقدور على تسليمه، فلا يصحّ بيعه كالسمك في الماء والطير في الهواء، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ هذا البيع يخرجه من أن يكون غرراً؛ لانضمام غيره إليه كبيع الثمرة الموجودة بعضها والمتوقّع وجود باقيها».
وقال الشيخ الطوسي في النهاية (٤٠٩): «ولا يجوز أن يشتري الإنسان عبداً آبقاً على الانفراد، فإن اشتراه لم ينعقد البيع، ومتى اشتراه مع شيء آخر من متاع أو غيره كان العقد ماضياً».
وقال في الخلاف (٣: ١٦٨، م ٢٧٤): «لا يجوز بيع العبد الآبق منفرداً، ويجوز بيعه مع سلعة اخرى. وقال الفقهاء بأسرهم: لا يجوز بيعه، ولم يفصّلوا. وحكي عن ابن عمر أنّه أجازه. وعن محمّد بن سيرين أنّه قال: إن لم يعلم موضعه لم يجز، وإن علم موضعه جاز. دليلنا على منع بيعه منفرداً: إجماع الفرقة، ولأنّه لا يقدر على تسليمه، ولأنّه بيع الغرر، فأمّا جوازه مع السلعة الاخرى فإجماع الفرقة ودلالة الأصل، والمنع يحتاج إلى دليل».
وقال ابن حمزة (الوسيلة: ٢٤٥- ٢٤٦): «ولا يصحّ بيع ما فيه غرر إلّا إذا ضمّ معه غيره ممّا لا يكن فيه غرر».
ثمّ ذكر أنواع الغرر في البيوع، وقال: «وبيع العبد آبقاً... ويجوز بيع العبد الآبق وبيع المجر (بيع المجر: هو شراء ما في بطن الناقة) وبيع البيض في جوف البائض مع غيره وكذلك بيع الصوف والشعر والوبر على ظهر الحيوان مع غيرها».
وقال ابن زهرة (الغنية: ٢١١- ٢١٢): «واعتبرنا أن يكون مقدوراً على تسليمه تحفّظاً ممّا لا يمكن ذلك فيه كالسمك في الماء والطير في الهواء، فإنّ ما هذه حاله لا يجوز بيعه بلا خلاف؛ لأنّه من بيع الغرر.
وقد دخل فيما قلناه بيع الآبق. وقد روى أصحابنا جواز بيعه إذا بيع معه في الصفقة سلعة اخرى، وبيع سمك الآجام مع ما فيها من القصب، ويدلّ على هذا الموضع الإجماع المشار إليه وظاهر القرآن، وإنّما أخرجنا منه ما عدا هذا الموضع لدليل قاطع، والبيع لما ذكرناه في هذه الصورة ليس بغرر؛ لأنّ ما ينضمّ في العقد إليه يخرجه عن ذلك».]
وقال محمّد بن إدريس (السرائر ٢: ٣٤٤)- بعد أن نقل ما تقدم عن الشيخ- قال: «وقال السيد المرتضى: إذا كان بحيث يقدر عليه ويعلم موضعه جاز شراؤه منفرداً، ولا يمنع ممّا قاله رحمه الله مانع؛ لأنّ الغرر زال، وهو داخل في قوله تعالى: «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا»، فأمّا إذا كان بحيث لا يقدر عليه فلا خلاف أنّه لا يجوز بيعه منفرداً إلّا إذا اشتراه مع شيء آخر من متاع أو غيره منضمّ إلى العقد، فيكون العقد ماضياً والشراء صحيحاً بغير خلاف أيضاً؛ لأنّه أمن الغرر في ذلك».
وقال المحقق الحلي في الشرائع (٢: ١٧): «الثالث: أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يصحّ بيع الآبق منفرداً ويصحّ منضمّاً إلى ما يصحّ بيعه، ولو لم يظفر به لم يكن له رجوع على البائع وكان الثمن مقابلًا للضميمة».
وقال في المختصر النافع (٢٠٠): «فلو باع الآبق منفرداً لم يصحّ، ويصحّ لو ضمّ إليه شيئاً».
وقال ابن سعيد (الجامع للشرائع: ٢٤٩): «والعبد الآبق [أي لا يجوز بيعه] والحمل في جوف الحامل، والبيض في جوف البائض، واللبن في الضرع، والصوف والوبر والشعر على الظهر منفردات».
وذكر تحت عنوان بيع الغرر (٢٥٥): «الغرر ما انطوى أمره، وإذا اريد بيع الحمل في جوف الحامل واللبن في الضرع والصوف والشعر والوبر على الظهر والرقيق الآبق والسمك في الماء بيعت مع متاع حاصل».
وقال العلّامة في التذكرة (١٠: ٤٨- ٤٩)- تحت عنوان الشرط الرابع: القدرة على التسليم-: «... والمشهور عند علمائنا أنّه لا يصحّ بيع الآبق منفرداً وإن عرفا مكانه.
وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا غرر، وفي الصحيح عن رفاعة عن الكاظم عليه السلام قلت له: «يصلح... الخ»، ولأنّه غير مقدور على تسليمه فأشبه الطير في الهواء. وقال بعض علمائنا بالجواز، وبه قال شريح وابن سيرين- واشترى ابن عمر من بعض ولده بعيراً شارداً- لأنّه مملوك، فصحَّ».
ثمّ ذكر بعد ذلك: «فروع:
أ- لو باع الآبق على من هو في يده أو على من يتمكّن من أخذه صحّ؛ لانتفاء المانع.
ب- لو باع الآبق منضمّاً إلى غيره صحّ، فإن لم يظفر به لم يكن له رجوع على البائع بشيء، وكان الثمن في مقابلة الضميمة؛ لقول الصادق عليه السلام: «فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه»».
وقال في المختلف (٥: ٢٤٠- ٢٤١، م ٢١٠): «قال الشيخان: لا يجوز بيع الآبق منفرداً، فإن بيع كذلك بطل، ويجوز منضمّاً- قال المفيد: فإن وجد العبد، وإلّا كان ما نقد من الثمن في الشيء الموجود- وأطلقا. وكذا قال ابن البرّاج وأبو الصلاح وسلّار وابن حمزة. وقال السيد المرتضى: لا يشترى وحده إلّا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري. وقال ابن الجنيد: لا يشترى وحده إلّا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري أو يضمنه له البائع. وهو الأقرب. لنا: أنّ القدرة على التسليم شرط في صحّة البيع، وهي متحقّقة على التقديرين، فيصحّ البيع؛ عملًا بوجود المقتضي مع الشرط. احتجّ الشيخ بما رواه سماعة... والجواب: الرواية] ضعيفة السند مقطوعة، فلا تصلح حجّة».
وقال في القواعد (٢: ٢٢) في شروط المعقود عليه: «والقدرة على التسليم، فلا يصحّ بيع الطير في الهواء إذا لم تقض عادته بعوده... ولا الآبق منفرداً إلّا على من هو في يده».
وقال في الارشاد (١: ٣٦١): «وتجب القدرة على التسليم، فلا يصحّ بيع الآبق منفرداً ويصحّ منضمّاً، ولو ضمّ إلى ما يصحّ بيعه وتعذّر القبض لم يرجع على البائع، وكان الثمن في مقابلة الضميمة».
وقال في نهاية الإحكام (٢: ٤٨١- ٤٨٢): «ولا يصحّ بيع العبد الآبق منفرداً سواء علم مكانه أو لا؛ لأنّه لا يقدر على تسليمه فكان غرراً، ولا يشترط في الحكم بالبطلان اليأس من عوده، بل يكفي ظهور التعذّر. ولو عرف مكانه وعلم أنّه يصل إليه إذا رام الوصول إليه فليس له حكم الآبق. ولو حصل في يد إنسان جاز بيعه عليه؛ لإمكان تسليمه. ولو بيع منضمّاً إلى غيره صحّ بيعه سواء قلّت قيمة الغير أو كثرت، وسواء ظفر به المشتري أو لا، ولم يكن له رجوع على البائع بشيء لو لم يظفر به، وكان الثمن في مقابلة المنضمّ؛ لأنّ الصادق عليه السلام سئل... الخ. ولو تلف قبل القبض فكذلك على إشكال ينشأ: من أنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، ومن عدم وجوب الإقباض هنا، فلا يدخل تحت ضمان البائع. والجمل الشارد والفرس العائر وشبههما كالآبق في بطلان البيع؛ لتعذّر التسليم، وهل يصحّ مع الضميمة كالآبق؟ إشكال، فإن قلنا به فلو تعذّر تسليمه احتمل كون الثمن في مقابلة الضميمة والتقسيط».
الفرس العائر: المنفلت (المحيط في اللغة ٢: ١٤٤).