الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٠٣
ويتّضح من كلماتهم في الموضع الأوّل- أي فيما يتعلّق بنفقة زوجة الآبق- أنّ الاختلاف في ثبوتها على المولى وعدمه ليس من ناحية كون الإباق رافعاً لوجوب النفقة على العبد الآبق، بل من جهة ما دلّ على انقطاع الزوجية وحصول البينونة بالإباق، فلا موضوع لوجوب الإنفاق عليها.
فالقائل بوجوب الانفاق على زوجة الآبق يرى بقاء الزوجية ولم يعمل برواية عمّار، والقائل بعدم وجوبها عمل بها وحكم بحصول البينونة كما في زوجة المرتد.
فليس الاختلاف المذكور في صميم هذه الجهة، بل راجع بحسب الحقيقة إلى جهة قادمة من أحكام الإباق. هذا كلّه بالنسبة إلى الموضع الأوّل.
وأمّا الموضع الثاني- وهو وجوب دفع زكاة الفطرة عن العبد الآبق- فكلمات الفقهاء فيه مختلفة من جهة الاختلاف في مبنى زكاة الفطرة وأنّه هل تجب عن المملوك مطلقاً أو أنّه يدور مدار وجوب النفقة أو أنّه يدور مدار فعلية الإعالة والإنفاق عليه؟
فتكون الأقوال حينئذٍ ثلاثة، وكلّها ترجع إلى تحديد موضوع من تجب فطرته، لا وجوب النفقة على الآبق [١].
[١] وإليك جملة من كلماتهم في الموضع الثاني- وهو وجوب دفع زكاة الفطرة عن العبد الآبق-:
قال الشيخ الطوسي (المبسوط ١: ٢٤٣): «إن أبق عبده فأهلّ شوّال لم تسقط فطرته عنه؛ لأنّ ملكه ثابت فيه، ويجب عليه أن يخرج الزكاة عن عبيده، وهذا منهم».
وقال محمّد بن إدريس (السرائر ١: ٤٦٥): «ويلزمه أن يخرجها [/ زكاة الفطرة] عنه وعن جميع من يعول ممّن تجب عليه نفقته أو من يتطوّع بها عليه من صغير وكبير، حرّ وعبد، ذكر وانثى، ملّي أو كتابي، ويجب عليه إخراج الفطرة عن عبده سواء كان آبقاً أو غير آبق، مغصوباً أو غير مغصوب».
وقال المحقق الحلي (المعتبر ٢: ٥٩٨): «الرابع: تجب الفطرة عن العبد الغائب الذي يعلم حياته والآبق والمرهون والمغصوب. وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا تلزمه زكاته؛ لسقوط نفقته كما تسقط عن الناشز.
لنا: أنّ الفطرة تجب على من يجب أن يعوله، وبالرّق تلزم العيلولة، فتجب الفطرة».
وقال في الشرائع (١: ١٧٢): «الثانية: الزوجة والمملوك تجب الزكاة عنهما ولو لم يكونا في عياله إذا لم يُعلهما غيره، وقيل: لا تجب إلّا مع] العيلولة، وفيه تردّد».
وقال ابن سعيد (الجامع للشرائع: ١٤٠): «وإذا نشزت زوجته وخرجت عن عياله أو أبق عبده قبل هلال الشهر فلا فطرة عليه لهما».
وقال العلّامة (التحرير ١: ٤٢٢- ٤٢٣): «يجب على المولى الإخراج عن عبده وإن كان غائباً أو آبقاً أو مرهوناً أو مغصوباً سواء رجا عوده أو لا وسواء كان مطلقاً أو محبوساً كالأسير مع علم حياته.
ولو لم يعلم حياته قال الشيخ: لا يلزمه الفطرة عنه، وأوجبها ابن إدريس.
وعندي في ذلك نظر».
وقال في القواعد (١: ٣٥٩): «لا يسقط وجوب النفقة بالإباق، فتجب الفطرة، وكذا المرهون والمغصوب والضالّ وإن انقطع خبره ما لم يغلب ظنّ الموت».
وقال في المنتهى (١: ٥٣٤، س ١٢): «مسألة: ويجب عليه أن يخرج عن عبده، وقد أجمع أهل العلم كافّة على وجوب إخراج الفطرة عن العبيد الحاضرين غير المكاتبين والمغصوبين والآبقين وعبيد التجارة صغاراً كانوا أو كباراً؛ لأنّ نفقته واجبة على المولى، فيندرج تحت العموم بإيجاب الفطرة عن كلّ من يعوله.
وقد روى الشيخ في الصحيح عن عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كلّ من ضممت إلى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه» (الوسائل ٩: ٣٢٩، ب ٥ من زكاة الفطرة، ح ٨)».
ثمّ قال: «فروع: الأوّل: العبد الغائب يجب على المولى فطرته إن علم حياته، وكذا الآبق والمرهون والمغصوب، ذهب إليه علماؤنا.
وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر العلماء.
وقال الزهري: يجب عليه فطرته إذا علم مكانه.
وقال الأوزاعي: إن كان في بلاد الإسلام.
وقال مالك: إن كانت غيبته قريبة.
ولم يوجب أبو حنيفة والثوري وعطاء زكاة الفطرة عن الآبق (المغني لابن قدامة ٢: ٦٧٤)
لنا: إنّ النفقة واجبة عليه بالرقّية، فيجب الزكاة؛ لثبوت المقتضي، والمعارض لا يصلح للمانعيّة؛ لعدم خروج الرقيّة.
وكذا من ردّ الآبق وجبت على المولى نفقته، فالنفقة لازمة.
احتجّ المخالف بسقوط النفقة كما يسقط عن الناشزة.
والجواب: المنع من سقوط النفقة، والاكتفاء بغير المالك لا يسقط النفقة كما لو اكتفى بكسبه، ولهذا أوجبنا على المالك ردّ نفقة صاحب الجعالة مع الجعالة».
ولكن ذكر في تلخيص المرام (٤٨): «والمغصوب والآبق والصغيرة والناشز والغائب المجهول حياته يخرج عنهم على رأي».
وقال الشهيد الأوّل (الدروس ١: ٢٤٩): «ولو أبق العبد فالوجوب باقٍ ما لم يعلم موته أو يعله مكلّف بالفطرة».
وقال المحقق الأردبيلي (مجمع الفائدة والبرهان ٤: ٢٤٣): «والظاهر أنّ الضابط هو العيلولة إلّا أنّه نقل الإجماع في المنتهى على وجوب الفطرة عن العبد الآبق والمرهون والمغصوب وجميع الغيّاب مع علم الحياة، فاكتفى بأصل وجوب النفقة والعيلولة من دون اشتراط الفعليّة فتأمّل، فإنّه يشكل الخروج عنه؛] إذ هو محل التأمّل، والتعدّي إلى الزوجة التي تجب نفقتها وكذا خادمها والآباء والأولاد مع عدم العيلولة بالفعل مشكل، والأصل وعدم شمول الأدلّة يقتضي العدم، فتأمّل واحتط».
وقال السيد العاملي (المدارك ٥: ٣٢٣)- بعد أن نقل كلام المنتهى والمعتبر المتقدمين- قال: «ويستفاد منه وجوب الفطرة عن المملوك وإن لم يكن في عيلولة المولى؛ للزوم النفقة.
وهو غير جيّد؛ لأنّ مقتضى الروايات أنّ الفطرة تابعة للعيلولة نفسها لا لوجوبها، ومقتضى العبارة تحقّق الخلاف في ذلك».
وقال المحقق السبزواري (الذخيرة: ٤٧٣، س ٣٧)- بعد ذكر كلام المنتهى-: «وقيل: لا يجب الفطرة إلّا مع العيلولة، وهو متّجه؛ لما ذكرنا مراراً».
وقال المحدّث البحراني (الحدائق ١٢: ٢٦٩)- بعد ذكر كلام المعتبر-: «وأنت خبير بأنّ الظاهر من النصوص المتقدّمة- كما أشرنا إليه آنفاً- هو حصول العيلولة بالفعل لا مجرّد وجوب العيلولة، وإلى ذلك مال السيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة، وهو الحقّ الحقيق بالاتّباع. وينبغي أن يعلم أنّه لو عال الزوجة أو المملوك غير الزوج والسيد تعلّقت الزكاة به وسقطت عنهما بغير إشكال ولا خلاف».
وفي مستند الشيعة (٩: ٤٠١): «لو كان الغائب غير منفق عليه منه كالعبد الآبق أو المغصوب لم تجب فطرته على المختار».
وقال المحقق النجفي (جواهر الكلام ١٥: ٥٠٢- ٥٠٣): «وتفصيل الحال أنّه لا خلاف ولا إشكال في وجوب إخراج الفطرة عنهما مع العيلولة وجبت النفقة أو لم تجب... كما أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الفطرة مع عدم لزوم الإنفاق لنشوز ونحوه وعدم العيلولة... أمّا لو وجبت النفقة ولكن لم يعلها عصياناً فظاهر بعض وصريح آخر الوجوب، بل قد عرفت نسبته إلى الأكثر، بل ربّما نسب إلى المشهور؛ لكونها عيالًا شرعاً حينئذٍ.
لكن للمناقشة فيه مجال إن لم يثبت الإجماع عليه؛ ضرورة انصراف غيره من نحو قولهم: «يعول» و«يمون» و«العيال» ونحو ذلك... ودعوى شمولها للشرعية واضحة المنع بعد أن لم تكن لها حقيقة شرعية».
وقال السيد اليزدي (العروة الوثقى ٢: ٣٥٦، م ٣): «تجب الفطرة... وكذا المملوك وإن لم تجب نفقته عليه، وأمّا مع عدم العيلولة فالأقوى عدم الوجوب عليه وإن كانوا من واجبي النفقة عليه، وإن كان الأحوط الإخراج خصوصاً مع وجوب نفقتهم عليه».
وقال السيّد محسن الحكيم (منهاج الصالحين، الحكيم ١: ٤٤٥، م ٦): «إذا ولد له قبل الغروب أو ملك مملوكاً أو تزوّج امرأة فإن كانوا عيالًا وجبت عليه فطرتهم، وإلّا فعلى من عال بهم.
وإذا لم يعل بهم أحد وجبت فطرة الزوجة على نفسها إذا جمعت الشرائط ولم تجب على المولود والمملوك».
وقال السيد الإمام الخميني (تحرير الوسيلة ١: ٣١٧، م ٦): «الظاهر أنّ المدار في العيال هو فعليّة العيلولة لا على وجوب النفقة، وإن كان الأحوط مراعاة أحد الأمرين...».