الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٧٧
وأمّا إذا رجع عن إذنه وإباحته أو أراد منعه عن التصرّف كان جائزاً وضعاً، أي مؤثّراً، فترتفع الإباحة، ولكنّه محرّم عليه تكليفاً؛ لأنّه على خلاف التزامه بأن يبيحه له في تمام تلك المدّة.
وإن كانت الإباحة العقديّة إنشاءً للإباحة والمأذونية على غرار إنشاء النتائج الوضعية الاعتبارية، أي أن يكون الطرف الآخر مأذوناً في التصرّف والمال مباحاً له، نظير الالتزام بكونه وكيلًا بنحو شرط النتيجة، كانت الإباحة لازمة وضعاً وتكليفاً، فلا يؤثّر منعه أو رجوعه في ارتفاع المأذونية والإباحة ما دام المال ملكاً له.
فالمسألة مرتبطة بهذا التخريج والتحليل للإباحة العقديّة، فمن يرى صحّته وعقديّته كان مقتضى دليل وجوب الوفاء بالعقود و«المسلمون عند شروطهم» لزوم هذا العقد وعدم تأثير رجوع المبيح في زوال الإباحة، ولا ينافيه دليل السلطنة؛ لأنّه كان بإرادة المالك وإنشائه.
وإن شئت قلت: من حيث إنّه ملك للمبيح وإن كان له أن يرجع إلّا أنّه من حيث إنّه إنشاء والتزام من قبله نافذ وضعاً وتكليفاً، فلا أثر لرجوعه، ودليل السلطنة لا ينفي هذه الحيثيّة.
ثمّ إنّه بناءً على التخريج والتفسير الأوّل للإباحة العقديّة إذا رجع المالك عن إباحته كان للطرف الآخر الرجوع بالعوض أيضاً لتخلّف الشرط؛ لأنّ تمليكه العوض كان مشروطاً بالإباحة.
نعم، قد يقال: بأنّ له أن يرجع بالعوض بالنسبة لا بتمامه، فإذا كان قد استوفى المنفعة وتصرّف بسكنى الدار مثلًا في نصف المدّة ثمّ رجع المالك عن إباحته كان له أن يرجع بنصف العوض لا أكثر؛ لأنّ الشرط المذكور انحلالي.
ثمّ إنّ نفس النتائج المترتّبة بناءً على كون الإباحة المعوّضة إباحة عقديّة بالتفسيرين المتقدّمين تترتّب على القول بإرجاعها إلى عقد الجعالة بأن يجعل المبيح لمن يملّكه العوض إباحة التصرّف في ماله، فإنّه في طول تمليك العوض تكون الإباحة نافذة وحاصلة، فإن كانت بالنحو الأوّل كان رجوع المبيح رافعاً لها وضعاً ومحرّماً تكليفاً، وإن كانت بالنحو