الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٦٧
قال الشيخ الأنصاري: «وأمّا الكلام في صحّة الإباحة بالعوض... فمحصّله: أنّ هذا النحو من الإباحة المعوّضة ليست معاوضة ماليّة ليدخل كل من العوضين في ملك مالك العوض الآخر، بل كلاهما ملك للمبيح، إلّا أنّ المباح له يستحقّ التصرّف، فيشكل الأمر فيه من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة شرعاً وعرفاً، مع أنّ التأمّل في صدق التجارة عليها فضلًا عن البيع، إلّا أن يكون نوعاً من الصلح لمناسبة له لغة؛ لأنّه في معنى التسالم على أمرٍ بناءً على أنّه لا يشترط فيه لفظ (الصلح) كما يستفاد من بعض الأخبار الدالّة على صحّته بقول المتصالحين: «لك ما عندك ولي ما عندي» ونحوه ما ورد في مصالحة الزوجين، ولو كانت معاملة مستقلّة كفى فيها عموم: «الناس مسلّطون على أموالهم» و«المؤمنون عند شروطهم»» [١].
وقد ناقش أكثر المحقّقين والأعلام الإشكال الذي طرحه الشيخ الأنصاري، كما ناقشوا اندراجها تحت عقد الصلح [٢].
[١] المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) ٣: ٨٩.
[٢] قال المحقّق الخراساني: «إنّما يشكل من هذه الجهة إذا اريد الاستدلال عليه بما دلّ على صحّتها بعناوينها، وإلّا فلا إشكال في صحّة الاستدلال عليها ب «المؤمنون عند شروطهم» وب «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، إلّا أن يدّعى أنّ المراد بالعقود هي المعهودة المتعارفة منها لا مطلقاً، وهو كما ترى» (حاشية المكاسب، الآخوند: ١٩).
وقال المحقّق الاصفهاني: «قد عرفت مراراً أنّ المعاوضة والمبادلة من المعاني غير المستقلّة في التحصّل، بل لا بدّ من أن يكون بلحاظ أمر، والمعاوضة الماليّة لا بدّ من أن تكون بلحاظ أمر يناسب المال بما هو مال، ولا اختصاص للأمر الملحوظ في المبادلة بالملكية، بل تصدق المعاوضة بقيام كلٍّ منهما مقام الآخر في الملكية والهبة والإباحة ولو باختلاف الأطراف بأن يكون أحدهما ملكاً والآخر حقاً أو مباحاً. وأمّا عدم صدق البيع فليس من حيث اختلاف الطرفين في الملكية والإباحة، بل من حيث إنّه تمليك عين بعوض، وهذا إباحة مال بعوض، وإلّا فلو فرضنا تمليك ماله بإزاء مال مباح له بالإباحة المطلقة لم يكن وجه لمنع صدق البيع عليه حيث إنّ حقيقته- كما عرفت- هو التمليك لا مجّاناً، بل قد عرفت سابقاً أنّ دائرة البيع أوسع من ذلك» (حاشية المكاسب، الاصفهاني ١: ١٧٧- ١٧٨)
وقال السيّد الطباطبائي اليزدي: «لا يضرّ ذلك؛ لأنّه يشمله العمومات من قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و«تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» و«الناس مسلّطون» و«المؤمنون» ونحوها.
ودعوى انصرافها إلى المعهود كما ترى، فهو نوع من العقد، بل من التجارة؛ إذ ليست إلّا الاكتساب] ويصدق في المقام. ولا يلزم في المعاوضة المالية أن يكون المبادلة بين المالين من حيث الملكية، بل قد يكون من حيث الإباحة من أحد الطرفين أو كليهما- حسبما عرفت- فلا وقع لهذا الإشكال أصلًا.
والتحقيق: أنّها معاوضة مستقلّة، وليست داخلة تحت الصلح؛ لعدم اعتبار معنى التسالم المعتبر فيه فيها» (حاشية المكاسب، اليزدي: ٨١).
وقال المحقّق الايرواني: «ففيه [/ خروج هذه المعاملة عن المعاملات المعهودة شرعاً] منع؛ فإنّ الدخول في الحمّامات مع إعطاء العوض من المعاملات الشائعة من عصر الشارع إلى زماننا هذا، وكذلك الدخول في المطاعم وأشباه ذلك، والظاهر أنّ الكلّ من قبيل الإباحة بالعوض، ويشبه أن يكون المقام من قبيل العارية بعوض، مع أنّ عدم المعهودية لا يضرّ بعد شمول عموم أدلّة المعاملات له من مثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و«تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» و«الناس مسلّطون»... ولا تأمّل في صدق التجارة من جانب المبيح بعوض المتملّك للمال بإباحته.
بل لا يبعد صدقه من جانب المملّك؛ لأنّ استباحة أموال الناس نوع من الاتّجار. مع أنّ غاية ذلك منع التمسّك بآية «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ»، كما أنّ عدم كونه بيعاً يمنع التمسّك بآية «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»، وأمّا آية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فلا مانع من التمسّك بها، مضافاً إلى ما تمسّك به المصنّف من دليل السلطنة وعموم «المؤمنون» بناءً على صدق الشرط على الالزام والالتزام الابتدائي». (حاشية المكاسب، الايرواني ٢: ٧٦- ٨٠).
وقال السيّد الإمام الخميني: «ثمّ لو فرض عدم صدق البيع عليه، فلا ينبغي الإشكال في صدق التجارة عليه وكذا صدق العقد، بعد ما تقدّم صدقه على المعاطاة، فهو تجارة صحيحة وعقد لازم واجب الوفاء» (البيع، الخميني ١: ١٧٩).
وقال السيّد الخوئي: «وهذا لا شبهة في صحّته ولزومه؛ للعمومات الدالّة على صحّة العقود ولزومها.
ودعوى: أنّ الإباحة من قبيل الأعمال والأفعال فهي لا تكون عوضاً في العقود المعاوضيّة، دعوى جزافية؛ لأنّا ذكرنا في أوّل الكتاب أنّ عمل الحرّ وإن لم يكن مبيعاً في البيع ولكن يصحّ جعله عوضاً فيه، وإذن فلا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره المصنّف من التأمّل في صدق التجارة عن تراضٍ على الإباحة المعوّضة، وأمّا الاستدلال على صحّة ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمنون عند شروطهم» فيرد عليه:
أوّلًا- أنّ الشرط في اللغة بمعنى الربط بين شيئين، ومن الواضح أنّ الشروط الابتدائية لا يصدق عليها عنوان الشرط، فتكون خارجة عن حدود الرواية.
وثانياً- أنّا لو سلّمنا شمول الرواية للشروط الابتدائية ولكن ليس المراد من الالتزام هو الالتزام الوضعي بمعنى أنّ ما التزم به المؤمن لا يزول بفسخه، بل المراد من ذلك إنّما هو الالتزام التكليفي، أي يجب على كلّ مؤمن الوفاء بشرطه؛ لأنّه من علائم إيمانه» (مصباح الفقاهة ٢: ١٩٠).
وقال في صدر كلامه: «والتحقيق أنّ الإباحة بعوض خارجة عن حدود الصلح بداهة أنّها مغايرة لمفهوم الصلح، ومجرّد انطباق مفهوم التسالم عليها لا يجعلها من مصاديق المصالحة، وإلّا لزم إرجاع جميع العقود حتى النكاح إلى الصلح (المصدر السابق).