البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - باب ذكر خلق الجان و قصة الشيطان
رَصَداً. وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً* وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً* وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً. وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً. وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقاسِطُونَ. فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً* وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً. وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ. وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً* و قد ذكرنا تفسير هذه السورة و تمام القصة في آخر سورة الأحقاف* و ذكرنا الأحاديث المتعلقة بذلك هنالك* و
أن هؤلاء النفر كانوا من جن (نصيبين) و في بعض الآثار من جن (بصرى) و أنهم مروا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو قائم يصلى بأصحابه ببطن نخلة من أرض مكة فوقفوا فاستمعوا لقراءته. ثم اجتمع بهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة كاملة فسألوه عن أشياء أمرهم بها و نهاهم عنها و سألوه الزاد فقال لهم (كل عظم ذكر اسم اللَّه عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما و كل روثة علف لدوابكم) و نهى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يستنجى بهما و قال (إنهما زاد إخوانكم) الجن.
و نهى عن البول في السرب لأنها مساكن الجن. و قرأ عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سورة الرحمن فما جعل يمر فيها بآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الا قالوا و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
و قد أثنى عليهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتوا. فقال (الجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكما تكذبان الا قالوا و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد). رواه الترمذي عن جبير و ابن جرير و البزار عن ابن عمر
* و قد اختلف في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يكون جزاء طائعهم ان لا يعذب بالنار فقط. على قولين الصحيح أنهم يدخلون الجنة لعموم القرآن* و لعموم قوله تعالى وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فامتن تعالى عليهم بذلك فلو لا أنهم ينالونه لما ذكره و عده عليهم من النعم* و هذا وحده دليل مستقل كاف في المسألة وحده و اللَّه أعلم* و
قال البخاري حدثنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدريّ قال له (إني أراك تحب الغنم و البادية فإذا كنت في غنمك و باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن و لا إنس و لا شيء الا شهد له يوم القيامة)* قال أبو سعيد سمعته من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)* انفرد به البخاري دون مسلم
* و أما كافر و الجن فمنهم الشياطين و مقدمهم الأكبر إبليس عدو آدم أبى البشر و قد سلطه هو و ذريته على آدم و ذريته. و تكفل اللَّه عز و جل بعصمة من آمن به و صدق رسله و اتبع شرعه منهم.
كما قال إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا و قال تعالى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها