البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٢ - ذكر قصة ابني آدم قابيل و هابيل
الروح أربعين سنة و أقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثا و أربعين سنة و أربعة أشهر و اللَّه تعالى أعلم* و قد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبى رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الأرض و رأسه في السماء فحطه اللَّه الى ستين ذراعا* و قد روى عن ابن عباس نحوه. و في هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته
عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (إن اللَّه خلق آدم و طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن
* و هذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا و أن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن* و ذكر ابن جرير عن ابن عباس إن اللَّه قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي و أرسل اللَّه له ملكا فعرفه مكانه و علمه المناسك. و ذكر أن موضع كل خطوة خطأها آدم صارت قرية بعد ذلك* و عنه أن أول طعام أكله آدم في الأرض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال و ما أصنع بهذا قال ابذره في الأرض فبذره و كان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه فأكله بعد جهد عظيم و تعب و نكد و ذلك قوله تعالى فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى* و كان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة و لحواء درعا و خمارا* و اختلفوا هل ولد لهما بالجنة شيء من الأولاد فقيل لم يولد لهما الا في الأرض* و قيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل و أخته ممن ولد بها و اللَّه أعلم* و ذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر و أنثى و أمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت معه و الآخر بالأخرى و هلم جرا و لم يكن تحل أخت لأخيها الّذي ولدت معه
ذكر قصة ابني آدم قابيل و هابيل
قال اللَّه تعالى وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ* قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد* و لنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك* فذكر السدي عن أبى مالك و أبى صالح عن