البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم (عليه السلام)
عليكم أباكم آدم أن لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا. اعلموا أنه لا إله غيري و لا رب غيري و لا تشركوا بى شيئا و إني سأرسل إليكم رسلا ينذرونكم عهدي و ميثاقي و أنزل عليكم كتابي- قالوا نشهد أنك ربنا و الهنا لا رب لنا غيرك و لا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة و رفع أباهم آدم فنظر اليهم فرأى فيهم الغنى و الفقير و حسن الصورة و دون ذلك* فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحببت أن أشكر. و رأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور و خصوا بميثاق آخر من الرسالة و النبوة فهو الّذي يقول اللَّه تعالى وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً و هو الّذي يقول فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ و في ذلك قال هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى و في ذلك قال وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ رواه الأئمة عبد اللَّه بن أحمد و ابن أبى حاتم و ابن جرير و ابن مردويه في تفاسيرهم من طريق أبى جعفر* و روى عن مجاهد و عكرمة و سعيد بن جبير و الحسن البصري و قتادة و السدي و غير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الأحاديث و تقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الأمر الإلهي و امتنع إبليس من السجود له حسدا و عداوة له فطرده اللَّه و أبعده و أخرجه من الحضرة الإلهية و نفاه عنها و أهبطه الى الأرض طريدا ملعونا شيطانا رجيما* و قد
قال الامام أحمد حدثنا وكيع. و يعلى و محمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة و أمرت بالسجود فعصيت فلي النار. و رواه مسلم من حديث وكيع و أبى معاوية عن الأعمش به.
ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو و زوجته حواء (عليهما السلام) يأكلان منها رغدا حيث شاءا فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من اللباس و أهبطا الى الأرض* و قد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها* و اختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا و قد قدمنا ما رواه مسلم عن أبى هريرة مرفوعا و خلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة و تقدم أيضا حديثه عنه و فيه (يعنى) يوم الجمعة خلق آدم و فيه أخرج منها فان كان اليوم الّذي خلق فيه فيه أخرج و قلنا إن الأيام الستة كهذه الأيام فقد لبث بعض يوم من هذه. و في هذا نظر و إن كان إخراجه في غير اليوم الّذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك و اختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة. قال ابن جرير و معلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة و الساعة منه ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه