البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٥ - ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم (عليه السلام)
أخرجكم الّذي رتب الإخراج على أكلى من الشجرة و الّذي رتب ذلك و قدره و كتبه قبل أن أخلق هو اللَّه عز و جل فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة الى أكثر ما أنى نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها و كون الإخراج مترتبا على ذلك ليس من فعلى فأنا لم أخرجكم و لا نفسي من الجنة و انما كان هذا من قدرة اللَّه و صنعه و له الحكمة في ذلك فلهذا حج آدم موسى* و من كذب بهذا الحديث فمعاند لانه متواتر عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه و ناهيك به عدالة و حفظ و إتقانا* ثم هو مروى عن غيره من الصحابة كما ذكرنا. و من تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفا فهو بعيد من اللفظ و المعنى. و ما فيهم من هو أقوى مسلكا من الجبرية. و فيما قالوه نظر من وجوه* (أحدها) أن موسى (عليه السلام) لا يلوم على أمر قد تاب منه فاعله (الثاني) انه قد قتل نفسا لم يؤمر بقتلها و قد سأل اللَّه في ذلك بقوله «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ» الآية (الثالث) انه لو كان الجواب عن اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد لا نفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله فيحتج بالقدر السابق فينسد باب القصاص و الحدود و لو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الأمر الّذي ارتكبه في الأمور الكبار و الصغار و هذا يفضي الى لوازم فظيعة. فلهذا قال من قال من العلماء بان جواب آدم انما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية و اللَّه تعالى أعلم.
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم (عليه السلام)
قال الامام أحمد حدثنا يحيى و محمد بن جعفر حدثنا عوف حدثني قسامة بن زهير عن أبى موسى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (ان اللَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض و الأحمر و الأسود و بين ذلك. و الخبيث و الطيب و السهل و الحزن و بين ذلك
و رواه أيضا عن هوذة عن عوف عن قسامة بن زهير سمعت الأشعري قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ان اللَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض و الأحمر و الأسود و بين ذلك. و السهل و الحزن و بين ذلك. و الخبيث و الطيب و بين ذلك). و كذا رواه أبو داود و الترمذي و ابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن أبى جميلة الأعرابي عن قسامة بن زهير المازني البصري عن ابى موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه.
و قال الترمذي حسن صحيح* و قد ذكر السدي عن أبى مالك و أبى صالح عن ابن عباس و عن مرة عن ابن مسعود و عن ناس من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالوا (فبعث اللَّه عز و جل جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض أعوذ باللَّه منك ان تنقص منى أو تشيننى فرجع و لم يأخذ و قال رب انها عاذت بك فأعذتها