البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - فصل في دخول بنى إسرائيل التيه و ما جرى لهم فيه من الأمور العجيبة
النسخ لا محالة فقال موسى يا رب إنهم لا يستطيعون أن يصعدوه و قد نهيتهم عن ذلك فأمره اللَّه تعالى أن يذهب فيأتى معه بأخيه هارون و ليكن الكهنة و هم العلماء و الشعب و هم بقية بنى إسرائيل غير بعيد ففعل موسى و كلمه ربه عز و جل فأمره حينئذ بالعشر كلمات.
و عندهم أن بنى إسرائيل سمعوا كلام اللَّه و لكن لم يفهموا حتى فهّمهم موسى و جعلوا يقولون لموسى بلغنا أنت عن الرب عز و جل فانا نخاف أن نموت فبلغهم عنه فقال هذه العشر الكلمات و هي الأمر بعبادة اللَّه وحده لا شريك له. و النهى عن الحلف باللَّه كاذبا. و الأمر بالمحافظة على السبت. و معناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة* و هذا حاصل بيوم الجمعة الّذي نسخ اللَّه به السبت. أكرم أباك و أمك ليطول عمرك في الأرض الّذي يعطيك اللَّه ربك. لا تقتل. لا تزن لا تسرق. لا تشهد على صاحبك شهادة زور لا تمد عينك الى بيت صاحبك. و لا تشته امرأة صاحبك و لا عبده و لا أمته و لا ثوره و لا حماره و لا شيئا من الّذي لصاحبك. و معناه النهى عن الحسد. و قد قال كثير من علماء السلف و غيرهم مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن و هما قوله تعالى في سورة الانعام قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ. وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ الآية و ذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة و أحكاما متفرقة عزيزة كانت فزالت و عملت بها حينا من الدهر* ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ثم عمدوا اليها فبدلوها و حرفوها و أولوها. ثم بعد ذلك كله سلبوها فصارت منسوخة مبدلة بعد ما كانت مشروعة مكملة فللّه الأمر من قبل و من بعد و هو الّذي يحكم ما يشاء و يفعل ما يريد الإله الخلق و الأمر تبارك اللَّه رب العالمين. و قد قال اللَّه تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَ واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى. وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى يذكر تعالى منته و إحسانه الى بنى إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم و خلصهم من الضيق و الحرج و أنه وعدهم صحبة نبيهم الى جانب الطور الأيمن أي منهم لينزل عليه أحكاما عظيمة فيها مصلحة لهم في دنياهم و أخراهم و أنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم و ضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس فيها زرع و لا ضرع منا من السماء يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم الى مثله من الغد و من ادخر منه لأكثر من ذلك فسد. و من أخذ منه قليلا- كفاه أو كثيرا لم يفضل عنه فيصنعون منه مثل الخبز و هو