البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٠ - ذكر هلاك فرعون و جنوده
أموالهم كلها حجارة. ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له قم ايتني بكيس فجاءه بكيس فإذا فيه حمص و بيض قد حول حجارة* رواه ابن أبى حاتم. و قوله وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قال ابن عباس أي اطبع عليها و هذه دعوة غضب للَّه تعالى و لدينه و لبراهينه فاستجاب اللَّه تعالى لها و حققها و تقبلها كما استجاب لنوح في قومه حيث قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً و لهذا قال تعالى مخاطبا لموسى حين دعا على فرعون و ملئه و أمن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضا قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال المفسرون و غيرهم من أهل الكتاب.
استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم فاذن لهم و هو كاره و لكنهم تجهزوا للخروج و تأهبوا له و إنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون و جنوده ليتخلصوا منهم و يخرجوا عنهم و أمرهم اللَّه تعالى فيما ذكره أهل الكتاب أن يستعيروا حليا منهم فاعاروهم شيئا كثيرا فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشام فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق و اشتد غضبه عليهم و شرع في استحثاث جيشه و جمع جنوه ليلحقهم و يمحقهم قال اللَّه تعالى وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ. فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ. إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَ إِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ. فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ قال علماء التفسير لما ركب فرعون في جنوده طالبا بنى إسرائيل يقفو أثرهم كان في جيش كثيف عرمرم حتى قيل كان في خيوله مائة ألف فحل أدهم و كانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف و ستمائة ألف فاللَّه أعلم. و قيل إن بنى إسرائيل كانوا نحوا من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية و كان بين خروجهم من مصر صحبة موسى (عليه السلام) و دخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة و ستا و عشرين سنة شمسية.
و المقصود أن فرعون لحقهم بالجنود فأدركهم عند شروق الشمس و تراءى الجمعان و لم يبق ثم ريب و لا لبس و عاين كل من الفريقين صاحبه و تحققه و رآه و لم يبق إلا المقاتلة و المجادلة و المحاماة فعندها قال أصحاب موسى و هم خائفون إنا لمدركون و ذلك لأنهم اضطروا في طريقهم الى البحر فليس لهم طريق و لا محيد إلا سلوكه و خوضه. و هذا ما لا يستطيعه أحد و لا يقدر عليه و الجبال عن يسرتهم و عن أيمانهم و هي شاهقة منيفة و فرعون قد غالقهم و واجههم و عاينوه في جنوده و جيوشه و عدده و عدده و هم منه في غاية