البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - ذكر هلاك فرعون و جنوده
و جبروته و سلطته و من ملإهم أن ينموا عليهم اليه فيفتنهم عن دينهم قال اللَّه تعالى مخبرا عن فرعون و كفى باللَّه شهيدا وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ أي جبار عنيد مستعل بغير الحق وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ أي في جميع أموره و شئونه و أحواله و لكنه جرثومة قد حان انجعافها و ثمرة خبيثة قد آن قطافها و مهجة ملعونة قد حتم اتلافها. و عند ذلك قال موسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ. فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَ نَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يأمرهم بالتوكل على اللَّه و الاستعانة به و الالتجاء إليه فأتمروا بذلك فجعل اللَّه لهم مما كانوا فيه فرجا و مخرجا. وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أوحى اللَّه تعالى إلى موسى و أخيه هارون (عليهما السلام) أن يتخذوا لقومهما بيوتا متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة في الرحيل إذا أمروا به ليعرف بعضهم بيوت بعض و قوله وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً قيل مساجد و قيل معناه كثرة الصلاة فيها قاله مجاهد و ابو مالك و إبراهيم النخعي و الربيع و الضحاك و زيد بن أسلم و ابنه عبد الرحمن و غيرهم. و معناه على هذا الاستعانة على ما هم فيه من الضر و الشدة و الضيق بكثرة الصلاة كما قال تعالى وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا حزبه أمر صلّى. و قيل معناه أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم و معابدهم فأمروا أن يصلوا في بيوتهم عوضا عما فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الّذي اقتضى حالهم إخفاءه خوفا من فرعون و ملئه. و المعنى الأول أقوى لقوله وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ و إن كان لا ينافي الثاني أيضا و اللَّه أعلم. و قال سعيد بن جبير وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي متقابلة و قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ. قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم اللَّه موسى على عدو اللَّه فرعون غضبا للَّه عليه لتكبره عن اتباع الحق و صده عن سبيل اللَّه و معاندته و عتوه و تمرده و استمراره على الباطل و مكابرته الحق الواضح الجلي الحسي و المعنوي و البرهان القطعي فقال رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ يعنى قومه من القبط و من كان على ملته و دان بدينه زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ أي و هذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا فيحسب الجاهل أنهم على شيء لكون هذه الأموال و هذه الزينة من اللباس و المراكب الحسنة الهنية و الدور الأنيقة و القصور المبنية و المآكل الشهية و المناظر البهية و الملك العزيز و التمكين و الجاه العريض في الدنيا لا الدين رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ قال ابن عباس و مجاهد أي أهلكها و قال أبو العالية و الربيع بن أنس و الضحاك اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت و قال قتادة بلغنا أن زروعهم صارت حجارة. و قال محمد بن كعب جعل سكرهم حجارة و قال أيضا صارت