البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٠ - فصل
ينفعهم ذلك و لم يردّ عنهم قدر الّذي يقول للشيء كن فيكون وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ. و لهذا يقول الناس على سبيل التهكم صار فرعون مذكرا و هذا منه فان فرعون في زعمه يخاف على الناس أن يضلهم موسى (عليه السلام).
وَ قالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ أي عذت باللَّه و لجأت اليه بجنابه من أن يسطو فرعون و غيره على بسوء و قوله مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ أي جبار عنيد لا يرعوى و لا ينتهى و لا يخاف عذاب اللَّه و عقابه لأنه لا يعتقد معادا و لا جزاء. و لهذا قال مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ. وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ. يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ و هذا الرجل هو ابن عم فرعون و كان يكتم إيمانه من قومه خوفا منهم على نفسه* و زعم بعض الناس أنه كان إسرائيليا و هو بعيد و مخالف لسياق الكلام لفظا و معنى و اللَّه أعلم* قال ابن جريج قال ابن عباس لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا و الّذي جاء من أقصى المدينة و امرأة فرعون. رواه ابن أبى حاتم* قال الدارقطنيّ لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون* حكاه السهيليّ* و في تاريخ الطبراني أن اسمه خير فاللَّه أعلم. و المقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه فلما هم فرعون لعنه اللَّه بقتل موسى (عليه السلام) و عزم على ذلك و شاور ملأه فيه خاف هذا المؤمن على موسى فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب و الترهيب فقال على وجه المشورة و الرأى و قد ثبت
في الحديث عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر.
و هذا من أعلى مراتب هذا المقام فان فرعون لأشد جورا منه و هذا الكلام لا أعدل منه لأن فيه عصمة نبي* و يحتمل أنه كاشرهم بإظهار إيمانه و صرح لهم بما كان يكتمه و الأول أظهر و اللَّه أعلم قال أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أي من أجل أنه قال ربى اللَّه فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام و الاحترام و الموادعة و ترك الانتقام يعنى لأنه قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ أي بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة لأنه إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ و لا يضركم ذلك وَ إِنْ يَكُ صادِقاً و قد تعرضتم له يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي و أنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به فكيف بكم إن حل جميعه عليكم.
و هذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطف و الاحتراز و العقل التام. و قوله يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز فإنه ما تعرض الدول للدين