البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ. وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ و ذلك أن موسى (عليه السلام) لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم (فيما ذكره غير واحد من علماء السلف و عنق عظيم و شكل هائل مزعج بحيث ان الناس انحازوا منها و هربوا سراعا و تأخروا عن مكانها و أقبلت هي على ما ألقوه من الحبال و العصي فجعلت تلقفه واحدا واحدا في أسرع ما يكون من الحركة و الناس ينظرون اليها و يتعجبون منها. و اما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم و حيرهم في أمرهم و اطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم و لا بالهم و لا يدخل تحت صناعاتهم و أشغالهم. فعند ذلك و هنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر و لا شعبذة و لا محال و لا خيال و لا زور و لا بهتان و لا ضلال بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الّذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق و كشف اللَّه عن قلوبهم غشاوة الغفلة و انارها بما خلق فيها من الهدى و أزاح عنها القسوة و أنابوا الى ربهم و خروا له ساجدين و قالوا جهرة للحاضرين و لم يخشوا عقوبة و لا بلوى آمنا برب موسى و هارون كما قال تعالى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ أَبْقى. قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى. وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى قال سعيد بن جبير و عكرمة و القاسم بن أبى بردة و الأوزاعي و غيرهم لما سجد السحرة رأوا منازلهم و قصورهم في الجنة تهيأ لهم و تزخرف لقدومهم و لهذا لم يلتفتوا الى تهويل فرعون و تهديده و وعيده و ذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا و اشهروا ذكروا موسى و هارون في الناس على هذه الصفة الجميلة أفزعه ذلك و رأى أمرا بهره و أعمى بصيرته و بصره و كان فيه كيد و مكر و خداع و صنعة بليغة في الصد عن سبيل اللَّه فقال مخاطبا للسحرة بحضرة الناس آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي هلا شاورتمونى فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي ثم تهدد و توعد و ابرق و ارعد و كذب فابعد قائلا إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ و قال في الآية الأخرى إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. و هذا الّذي قاله من البهتان يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر و الكذب و الهذيان بل لا يروج مثله على الصبيان فان الناس كلهم من أهل دولته و غيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوما من الدهر فكيف يكون كبيرهم الّذي علمهم السحر* ثم هو لم يجمعهم و لا علم باجتماعهم حتى كان فرعون هو الّذي استدعاهم و اجتباهم من كل فج عميق و واد سحيق و من حواضر بلاد