البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
يحضروا هذا الموقف العظيم فخرجوا و هم يقولون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. و تقدم موسى (عليه السلام) الى السحرة فوعظهم و زجرهم عن تعاطى السحر الباطل الّذي فيه معارضة لآيات اللَّه و حججه فقال وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قيل معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم فقائل يقول هذا كلام نبي و ليس بساحر و قائل منهم يقول بل هو ساحر فاللَّه أعلم* و أسروا التناجي بهذا و غيره قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما يقولون إن هذا و أخاه هارون ساحران عليمان مطبقان متقنان لهذه الصناعة و مرادهم أن يجتمع الناس عليهما و يصولا على الملك و حاشيته و يستأصلاكم عن آخركم و يستأمرا عليكم بهذه الصناعة فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى* و إنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا و يتواصوا و يأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة و المكر و الخديعة و السحر و البهتان. و هيهات كذبت و اللَّه الظنون و اخطأت الآراء. أنى يعارض البهتان. و السحر و الهذيان. خوارق العادات التي أجراها الديان. على يدي عبده الكليم. و رسوله الكريم المؤيد بالبرهان الّذي يبهر الابصار و تحار فيه العقول و الأذهان و قولهم فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أي جميع ما عندكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي جملة واحدة ثم حضوا بعضهم بعضا على التقدم في هذا المقام لان فرعون كان قد وعدهم و مناهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى. قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى.
لما اصطف السحرة و وقف موسى و هارون (عليهما السلام) تجاههم قالوا له إما أن تلقى قبلنا و إما أن نلقى قبلك قالَ بَلْ أَلْقُوا أنتم و كانوا قد عمدوا الى حبال و عصى فأودعوها الزئبق و غيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال و العصي اضطرابا يخيل للرائى أنها تسعى باختيارها* و إنما تتحرك بسبب ذلك. فعند ذلك سحروا أعين الناس و استرهبوهم و ألقوا حبالهم و عصيهم و هم يقولون بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. قال اللَّه تعالى فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. و قال تعالى فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى أي خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم و محالهم قبل أن يلقى ما في يده فإنه لا يضع شيئا قبل أن يؤمر فأوحى اللَّه اليه في الساعة الراهنة لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى فعند ذلك ألقى موسى عصاه و قال ما جئتم به السحر إن اللَّه سيبطله إن اللَّه لا يصلح عمل المفسدين وَ يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
و قال تعالى فألقى موسى عصاه فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ*