البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٠ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ. قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك و بلغاه ما أرسلا به من دعوته الى عبادة اللَّه تعالى وحده لا شريك له و أن يفك أسارى بنى إسرائيل من قبضته و قهره و سطوته و تركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا و يتفرغون لتوحيده و دعائه و التضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه و عتا و طغى و نظر الى موسى بعين الازدراء و التنقص قائلا له أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ أي اما أنت الّذي ربيناه في منزلنا و أحسنا اليه و أنعمنا عليه مدة من الدهر و هذا يدل على أن فرعون الّذي بعث اليه هو الّذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الّذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين و أن الّذي بعث اليه فرعون آخر. و قوله وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي و قتلت الرجل القبطي و فررت منا و جحدت نعمتنا قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي قبل أن يوحى الى و ينزل على فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية و الإحسان اليه و تلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرائيل أي و هذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت الى و أنا رجل واحد من بنى إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله و استعبدتهم في أعمالك و خدمك و أشغالك قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ. قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يذكر تعالى ما كان بين فرعون و موسى من المقاولة و المحاجة و المناظرة و ما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية. و ذلك أن فرعون قبحه اللَّه أظهر جحد الصانع تبارك و تعالى. و زعم أنه الإله فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و قال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي. و هو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب و أن اللَّه هو الخالق البارئ المصور الإله الحق كما قال تعالى وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ و لهذا قال لموسى (عليه السلام) على سبيل الإنكار لرسالته و الإظهار انه ما ثم رب أرسله وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ لأنهما قالا له إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ فكأنه يقول لهما و من رب العالمين الّذي تزعمان أنه أرسلكما و ابتعثكما فأجابه موسى قائلا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ يعنى رب العالمين خالق هذه السموات و الأرض المشاهدة و ما بينهما من المخلوقات المتجددة من السحاب و الرياح و المطر و النبات و الحيوانات التي يعلم كل موقن انها لم تحدث بأنفسها و لا بد لها من موجد و محدث و خالق و هو اللَّه الّذي لا إله إلا هو رب العالمين. (قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه و مرازبته و وزرائه