البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
و المقصود أن اللَّه سبحانه لما أمر موسى (عليه السلام) بالذهاب الى فرعون قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ. يقول تعالى مخبرا عن عبده و رسوله و كليمه موسى (عليه السلام) في جوابه لربه عز و جل حين أمره بالذهاب الى عدوه الّذي خرج من ديار مصر فرارا من سطوته و ظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي و لهذا (قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ). أي اجعله معى معينا و ردءا و وزيرا يساعدني و يعينني على أداء رسالتك اليهم فإنه أفصح منى لسانا و أبلغ بيانا* قال اللَّه تعالى مجيبا له الى سؤاله (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً) أي برهانا (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا. و قيل ببركة آياتنا (أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ) و قال في سورة طه اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته و هو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية و قالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة و جمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده الى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله و لم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري و الرسل إنما يسألون بحسب الحاجة و لهذا بقيت في لسانه بقية و لهذا قال فرعون قبحه اللَّه فيما زعم إنه يعيب به الكليم (وَ لا يَكادُ يُبِينُ) أي يفصح عن مراده و يعبر عما في ضميره و فؤاده* ثم قال موسى (عليه السلام) (وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) أي قد أجبناك الى جميع ما سألت و أعطيناك الّذي طلبت و هذا من وجاهته عند ربه عز و جل حين شفع أن يوحى اللَّه الى أخيه فأوحى اليه و هذا جاه عظيم قال اللَّه تعالى وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً و قال تعالى وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا و قد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لأناس و هم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى اليه قال اللَّه تعالى وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا قال تعالى في سورة الشعراء وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ. فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ