البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٦ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
الى عصا قسمها من طرفها* ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها و وقف موسى (عليه السلام) بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة الأضرب جنبها شاة شاة قال فاتمئت و آنثت [١] و وضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش و لا ضبوب و لا عزوز و لا ثعول و لا كموش تفوت الكف
قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لو اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم و هي السامرية.
قال ابن لهيعة الفشوش واسعة السخب و الضبوب طويلة الضرع تجره و العزوز ضيقة السخب و الثعول الصغيرة الضرع كالحلمتين و الكموش التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره و في صحة رفع هذا الحديث نظر* و قد يكون موقوفا كما قال ابن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبى عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال لما دعا نبي اللَّه موسى صاحبه الى الأجل الّذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا الا شاة واحدة فذهب بأولادهن ذلك العام و هذا إسناد رجاله ثقات و اللَّه أعلم.
و قد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب (عليه السلام) حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى (عليه السلام) فاللَّه أعلم. (فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ). تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين و أكملهما و قد يؤخذ هذا من قوله (فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ) و عن مجاهد أنه أكمل عشرا و عشرا بعدها. و قوله (وَ سارَ بِأَهْلِهِ) أي من عند صهره ذاهبا فيما ذكره غير واحد من المفسرين و غيرهم أنه اشتاق الى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله و معه ولدان منهم و غنم قد استفادها مدة مقامه قالوا و اتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة و تاهوا في طريقهم فلم يهتدوا الى السلوك في الدرب المألوف و جعل يورى زناده فلا يورى شيئا و اشتد الظلام و البرد فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور و هو الجبل الغربي منه عن يمينه ف قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً و كأنه و اللَّه أعلم رآها دونهم لأن هذه النار هي نور في الحقيقة و لا يصلح رؤيتها لكل أحد (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) أي لعلى أستعلم من عندها عن الطريق (أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة و مظلمة لقوله في الآية الأخرى
[١] هكذا بالنسخة الحلبية. و في النسخة المصرية فاغنت و انبثت فليحرر