البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٣ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
سَواءَ السَّبِيلِ). أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة الى المقصود* و كذا وقع أو صلته الى مقصود و أي مقصود (وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) و كانت بئرا يستقون منها* و مدين هي المدينة التي أهلك اللَّه فيها أصحاب الأيكة و هم قوم شعيب (عليه السلام)* و قد كان هلاكهم قبل زمن موسى (عليه السلام) في أحد قولي العلماء* (وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ) المذكور(وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ) أي تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس* و عند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
و هذا أيضا من الغلط و كأنه كن سبعا و لكن إنما كان تسقى اثنتان منهن. و هذا الجمع ممكن ان كان ذاك محفوظا و الا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا و سبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا و كبره قال اللَّه تعالى (فَسَقى لَهُما).
قال المفسرون و ذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجيء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده. ثم استقى لهما و سقى غنمهما ثم رد الحجر. كما كان* قال أمير المؤمنين عمر و كان لا يرفعه إلا عشرة و إنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما. ثم تولى الى الظل قالوا و كان ظل شجرة من السمر* روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) قال ابن عباس سار من مصر الى مدين لم يأكل إلا البقل و ورق الشجر و كان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء و جلس في الظل و هو صفوة اللَّه من خلقه و ان بطنه لاصق بظهره من الجوع و إن خضرة البقل لترى من داخل جوفه و انه لمحتاج الى شق تمرة* قال عطاء بن السائب لما (قال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) اسمع المرأة (فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) لما جلس موسى (عليه السلام) في الظل و (قال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) سمعته المرأتان فيما قيل فذهبتا الى أبيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى (عليه السلام) فأمر إحداهما أن تذهب اليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشى على استحياء أي مشى الحرائر قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا* صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة. و هذا من تمام حيائها و صيانتها فلما جاءه و قص عليه القصص و أخبره خبره و ما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من