البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ. وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا أي من فرعون و ملئه أن يعلموا أن هذا القتيل الّذي رفع اليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بنى إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى منهم و يترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائِفاً يَتَرَقَّبُ) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الّذي استنصره بالأمس يستصرخه أي يصرخ به و يستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى و لامه على كثرة شره و مخاصمته قال له إنك لغويّ مبين* ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الّذي هو عدو لموسى و للاسرائيلى فيردعه عنه و يخلصه منه فلما عزم على ذلك و أقبل على القبطي (قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) قال بعضهم إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الّذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس و كأنه لما رأى موسى مقبلا الى القبطي اعتقد أنه جاء اليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغويّ مبين فقال ما قال لموسى و أظهر الأمر الّذي كان وقع بالأمس فذهب القبطي فاستعدى موسى الى فرعون. و هذا الّذي لم يذكر كثير من الناس سواه. و يحتمل أن قائل هذا هو القبطي و أنه لما رآه مقبلا اليه خافه و رأى من سجيته انتصارا جيدا للاسرائيلى فقال ما قال من باب الظن و الفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا و اللَّه أعلم.
و المقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه و سبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) ساعيا اليه مشفقا عليه فقال (يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ) أي من هذه البلدة (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) أي فيما أقوله لك قال اللَّه تعالى فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدى الى طريق و لا يعرفه قائلا (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). يخبر تعالى عن خروج عبده و رسوله و كليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون و هو لا يدرى أين يتوجه و لا الى أين يذهب و ذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها (وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي