البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) إذ قال قتادة و غير واحد من السلف أي تطعم و ترفه و تغذى بأطيب المآكل و تلبس أحسن الملابس بمرأى منى و ذلك كله بحفظي و كلائتى لك فيما صنعت بك لك و قدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً) و سنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى و به الثقة و عليه التكلان.
(وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ* قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها و إحسانه بذلك و امتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده و استوى و هو احتكام الخلق و الخلق و هو سن الأربعين في قول الأكثرين آتاه اللَّه حكما و علما و هو النبوة و الرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر و ذهابه الى أرض مدين و إقامته هنالك حتى كمل الأجل و انقضى الأمد و كان ما كان من كلام اللَّه له و إكرامه بما أكرمه به كما سيأتي. قال تعالى وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال ابن عباس و سعيد بن جبير و عكرمة و قتادة و السدي و ذلك نصف النهار* و عن ابن عباس بين العشائين (فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ) أي يتضاربان و يتهاوشان (هذا مِنْ شِيعَتِهِ) أي إسرائيلي (وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ) أي قبطى قاله ابن عباس و قتادة و السدي و محمد بن إسحاق (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) و ذلك أن موسى (عليه السلام) كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته الى تبنى فرعون له و تربيته في بيته و كانت بنو إسرائيل قد عزوا و صارت لهم وجاهة و ارتفعت رءوسهم بسبب أنهم أرضعوه و هم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى (عليه السلام) على ذلك القبطي أقبل اليه موسى (فَوَكَزَهُ)* قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه* و قال قتادة بعصا كانت معه (فَقَضى عَلَيْهِ) أي فمات منها* و قد كان ذلك القبطي كافرا مشركا باللَّه العظيم و لم يرد موسى قتله بالكلية و إنما أراد زجره و ردعه و مع هذا (قال) موسى (هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) أي من العز و الجاه (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى