البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
صلى (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الجنة* فلما فتحت الباب و كشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبويّة و الجلالة الموسوية فلما رأته و وقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا* فلما جاء فرعون قال ما هذا و أمر بذبحه فاستوهبته منه و دفعت عنه (و قالت قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ) فقال لها فرعون أما لك فنعم و أمالى فلا أي لا حاجة لي به (و البلاء موكل بالمنطق). و قولها (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) و قد أنالها اللَّه ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها اللَّه به و أما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) و ذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال اللَّه تعالى وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لا يدرون ما ذا يريد اللَّه بهم أن قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون و جنوده. (وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) قال ابن عباس و مجاهد و عكرمة و سعيد بن جبير و أبو عبيدة و الحسن و قتادة و الضحاك و غيرهم و أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره و تسأل عنه جهرة (لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) أي صبرناها و ثبتناها (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) و قالت لأخته و هي ابنتها الكبيرة قصيه أي اتبعى أثره و اطلبى له خبره فبصرت به عن جنب* قال مجاهد عن بعد* و قال قتادة جعلت تنظر اليه و كأنها لا تريده* و لهذا قال (وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ) و ذلك لأن موسى (عليه السلام) لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا و لا أخذ طعاما فحاروا في أمره و اجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل. كما قال تعالى وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فأرسلوه مع القوابل و النساء الى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به و الناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ)* قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم و شفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك و رجاء منفعته فأطلقوها و ذهبوا معها الى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها و أخذ يمتصه و يرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا و ذهب البشير الى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها الى منزلها و عرضت عليها أن تكون عندها و أن تحسن اليها فأبت عليها و قالت إن لي بعلا و أولادا و لست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معى فارسلته معها و رتبت لها رواتب و أجرت عليها النفقات و الكساوى و الهبات فرجعت به تحوزه الى رحلها و قد جمع اللَّه شمله بشملها. قال اللَّه تعالى فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ أي كما وعدناها برده و رسالته فهذا رده و هو دليل على صدق البشارة برسالته (وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) و قد امتن اللَّه على موسى بهذا ليلة كلمه فقال له فيما قال له (وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ