البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٤ - قصة أيوب (عليه السلام)
و قال الامام أحمد ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب أ لم يكفك ما أعطيناك قال أي رب و من يستغنى عن فضلك. هذا موقوف. و قد روى عن أبى هريرة من وجه آخر مرفوعا.
و قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثى في ثوبه فناداه ربه عز و جل (يا أيوب أ لم أكن أغنيتك عما ترى) قال بلى يا رب و لكن لا غنى لي عن بركتك. رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به
و قوله (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) أي اضرب الأرض برجلك فامتثل ما أمر به فأنبع اللَّه له عينا باردة الماء و أمر أن يغتسل فيها و يشرب منها فأذهب اللَّه عنه ما كان يجده من الألم و الأذى و السقم و المرض الّذي كان في جسده ظاهرا و باطنا و أبدله اللَّه بعد ذلك كله صحة ظاهرة و باطنة و جمالا تاما و مالا كثيرا حتى صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا من ذهب و اخلف اللَّه له أهله كما قال تعالى وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فقيل أحياهم اللَّه بأعيانهم. و قيل آجره فيمن سلف و عوضه عنهم في الدنيا بدلهم و جمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة. و قوله (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) أي رفعنا عنه شدته (فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) رحمة منا به و رأفة و إحسانا (وَ ذِكْرى لِلْعابِدِينَ) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي اللَّه أيوب حيث ابتلاه اللَّه بما هو أعظم من ذلك فصبر و احتسب حتى فرج اللَّه عنه.
و من فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة و أغرق النزع. و قال الضحاك عن ابن عباس رد اللَّه اليها شبابها و زادها حتى ولدت له ستة و عشرون ولدا ذكرا.
و عاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
و قوله (خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) هذه رخصة من اللَّه تعالى لعبده و رسوله أيوب (عليه السلام) فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها. و قيل لأنه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فاتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط. فلما عافاه اللَّه عز و جل أفتاه أن يأخذ ضغثا و هو كالعثكال الّذي يجمع الشماريخ فيجمعها كلها و يضربها به ضربة واحدة و يكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط و يبر و لا يحنث. و هذا من الفرج و المخرج لمن اتقى اللَّه و أطاعه و لا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضى اللَّه عنها. و لهذا عقب اللَّه هذه الرخصة و عللها بقوله (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) و قد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان و النذور و توسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان و صدروه بهذه الآية الكريمة